الكاتب – أحمد العوفي .
لم تدم رحلة تفكيري طويلًا، مباشرة أعدت الاتصال بزميلي ، وبدون مقدمات ولا سلام، وبنبرة صوت طبعت ملامحها على وجهي، وكشفت للطرف الاخر على الجوال مدى القلق الذي سببه لي هذا الخبر:” أقولك؛ سجل الاسم هذا عندك، ‘أو تدري برسله لك على الواتس، اسمه كامل الله يعافيك ضروي جدًا تشوف لي قريبك اللي بلغك عن الحادث “وتسأله عن صاحب الاسم هذا ، أعطه الاسم كاملًا ، يتأكد لنا إن كان ساري منهم ؟! “وترد عليَّ الليلة تكفى “!!” أنهيت الاتصال، ونيتي بأنه لو لم يرد عليَّ خلال ساعة؛ أعاود الاتصال به!
تتهمني زوجتي أنني غالبًا أضخم الأمور” أصنع من الحبه قبة!! ” لا أخفيكم؛ أنه يشاركها هذا الرأي بعض ممن عرفني عن قرب، خاصة في مجال العمل، بل ” بجها و بطها ” أحد الزملاء قبل سنوات في وجهي قائلًا بأنني لا أصلح للإدارة ، فالإحساس العالي بالمسؤولية عندي ” زيادة حبتين”!! وهذا ما يجعلني متوترًا وقلقًا في مواجهة أبسط مشاكل العمل، بل و”الأدهى والأمر” أنها تجعلني أنقل التأثيرات النفسية لمشاكل العمل إلى المنزل، وهذا خلل كبير له عواقبه الوخيمة ، وكان سببًا لتركي و رفضي للإدارة مستقبلًا ، نرجع لساري!!
عندما أنهيت الاتصال بزميلي، طأطأت رأسي، اربت بطرف جوالي على ذقني، مفكرًا بهذا الأدمي الذي اختفى فجأة، بطرف عيني لمحت زوجتي تنظر إلي، مسندة صفحة خدها على سبابة وابهام كفها الأيسر، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة تعجب، وعلتها نظرة اندهاش، التفتُ بكامل جسمي مقابلًا لها، استفهمتْ عيناي من عينيها عن سبب هذه النظرة ، فالنساء يتقن ويفهمن لغة العيون أكثر من الرجال ، جاء الرد سريعًا حازما صارمًا بلغة الكلام “: هو من بقية أهلك؟ اللي يشوفك يقول أنت وساري لكم سنين تعرفون بعض؟! أشغلت نفسك، واشغلت الناس معك، خلاص، إن كانه ميت الله يرحمه، وإن كان حي الله يحفظه، كذا ولا كذا،”خذ إجراءاتك النظامية، والمدرس بداله مدرس!” كانت هذه الهجمة المرتدة، والأسئلة المنطقية كفيلة بأن تجعلني أضبط بوصلتي، وانفعالاتي، وأراجع موقفي من هذا الأمر، نعم، هو ليس من بقية أهلي، وليس من الأصدقاء المقربين، ولا من زملاء العمل، بل أن علاقتي مع “شهيد الدين ” عامل المدرسة ، اقوى من علاقتي مع ساري، الذى لم يدم لقائي معه إلا دقائق، ودقائق مشحونة مكهربة! فعليًا نسيت حتى ملامح وجهه، ماعدا إطاره، وبروازه الخارجي، البدانة، اللحية، الثوب القصير، فعلا كنت كالتلفزيونات القديمة التي أحيانا تحتاج ” لهبدة ” تزيل ” تشويشها” حتى يعاود بثه بصفاوة، ولأني صفيت بثي ، وعايرت بوصلتي في هذا الموضوع، اتخذت قرارًا أن يكون ساري كأي شخص عابر، كالذين نقابلهم مصادفة في الأماكن العامة و الأسواق ، لذا تجاهلت إرسال الاسم بالواتس، و الغيت فكرة إعادة الاتصال، فلم يعد الأمر ذو أهمية، حتى رسالة الواتس التي من زميلي يذكرني بإرسال الاسم كاملا ، رددت عليها بكلمة واحدة ” كنسليشن” اعقبتها بفيس مبتسم.
عدنا يوم الأحد مع طلابنا، في أول يوم دراسي لهم بالعام الجديد، وكالعادة هذا اليوم يكون عند مدير ووكيل المدرسة كركزة الرمح ، استنفارٌ للهيئة التعليمة والإدارية، فهو يوم له ما بعده له ما بعده، بعد انصراف الطلاب، ونجاح الزملاء في إدارة هذا اليوم، اجتمعت مع الوكيل لإعادة ترتيب الجدول المدرسي، وإسناد حصص ساري التي وزعت مؤقتًا على المعلمين ، لمعلم واحد، وكذلك لأخذ مقترحات الزملاء في جداولهم وتعديلها حسب الامكانية على أن يكون العمل به بداية من الأسبوع القادم، حيث نكون ايضًا طرقنا أخر مسمار في نعش ساري، وأقفلنا ملفه بشكل نهائي.
في نهاية اليوم الحادي والعشرين من غياب ساري، أُرسل خطاب لمكتب التعليم بانقطاعه، هم لديهم خبر عن موضوعه من اليوم السابع لغيابه ، حيث تم اخبارهم شفهيًا، وخطيًا في حينها، مضت أيامنا الدراسية، ترتبت أمور جدولنا، لم يعد لساري طاري، حتى اسمه رُفع من سجل الحضور والانصراف، فحتى لو عاد ، نظامًا لا يمكن من التوقيع، وعليه مراجعة مكتب التعليم، مضت الأسابيع الدراسية، أنهينا اختبارات الفترة الأولى، نكون الآن قد تجاوزنا أكثر من نصف الفصل الدراسي الأول، حتى كان ذلك اليوم الدراسي الذي أبى أن ينتهي إلا وقد نبش قبر ساري، وأحيا موضوعه من جديد!! وصدق الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد القائل في معلَقته:
سَتُبْدِي لك الأيّام ما كُنْتَ جاهلا
ويأتيك بالأخبار مَنْ لم تُزَوِّدِ.
رابط الجزء الأول : https://shababeks.com/2021/06/12/th-16/
رابط الجزء الثاني : https://shababeks.com/2021/06/21/es-23/
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه تفضلوا بالمتابعة :
تويتر :
سناب شات :
https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19
انستقرام:
https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك :
https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com


التنبيهات/التعقيبات