الكاتب : عبدالله بن عبيد اليوبي.
من أقدم الأسئلة التي شغلت الفلاسفة ليس ما الخير؟ بل: لماذا يختار الإنسان الخير إذا استطاع أن يفعل الشر دون أن يراه أحد؟ فالأخلاق لا تُختبر حين تراقبنا العيون، وإنما حين نكون وحدنا مع ضمائرنا، حيث لا قانون يهدد، ولا مجتمع يحاسب، ولا مصلحة تنتظر.
يرى بعض الفلاسفة أن الأخلاق يمكن أن تقوم على العقل وحده، وأن الإنسان قادر على إدراك الخير لأنه خير، والشر لأنه شر، دون حاجة إلى إيمانٍ يتجاوز العالم المحسوس. فالعقل – في نظرهم – يضع المبادئ، والضمير يحرسها، والإنسان يلتزم بها احترامًا لكرامته الإنسانية قبل أي شيء آخر.
لكن سؤالًا آخر ينهض من بين السطور: إذا تعارضت الأخلاق مع المصلحة، وإذا كان الشر سيحقق منفعةً مؤكدة، ولن يترتب عليه عقاب، فما الذي يمنع الإنسان من اختياره؟ هل يكفي العقل وحده ليقاوم رغبات النفس، أم أن العقل قد يتحول أحيانًا إلى محامٍ بارع يبرر ما تشتهيه الأهواء؟.
لعل المشكلة ليست في معرفة الخير، فالناس في الغالب يعرفون الصواب أكثر مما يفعلونه. وإنما المشكلة في إيجاد القوة التي تجعل الإنسان وفيًا لما عرفه. فكثيرًا ما يهزم الهوى المعرفة، وتنتصر الرغبة على القناعة، فيصبح العقل شاهدًا على سقوط صاحبه، لا قائدًا له.
وهنا يظهر الإيمان، لا بوصفه مجرد مجموعة من الطقوس، بل باعتباره رؤيةً تجعل الإنسان يشعر أن أفعاله لا تضيع في فراغ الكون، وأن للعدل ميزانًا يتجاوز المحاكم، وللنية شاهدًا لا تغفل عنه السرائر. فالإيمان لا يخلق الأخلاق من العدم، لكنه يمنحها أفقًا أبعد من المنفعة، ويجعل الفضيلة قيمةً في ذاتها، لا مجرد وسيلةٍ لتحقيق مصلحة.
ومع ذلك، فإن التاريخ يخبرنا بأن مؤمنًا قد يظلم، وغير مؤمن قد يعدل. وهذا يدل على أن الإيمان وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى خلق، كما أن غياب الإيمان لا يمنع كل إنسان من ممارسة الفضيلة. غير أن السؤال الفلسفي لا يتعلق بالأفراد، بل بالأساس الذي تقف عليه الأخلاق: هل هي التزامٌ يتغير بتغير المصالح، أم حقيقةٌ ثابتة تتجاوز رغبات الإنسان؟.
ربما لا يكون الجواب في نفي العقل ولا في نفي الإيمان، بل في إدراك أن العقل يهدي إلى معرفة الخير، وأن الإيمان يمنح الإنسان سببًا أعمق للثبات عليه. فالعقل قد يقول: “هذا هو الصواب”، أما الإيمان فيضيف: “ابقَ مع الصواب، حتى لو دفعت ثمنه”.
ولذلك يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل جيل: إذا استطاع الإنسان أن يفعل الشر، ويضمن الإفلات من كل حسابٍ بشري، فهل سيظل الخير عندئذ واجبًا أخلاقيًا، أم سيصبح مجرد خيارٍ من بين خيارات كثيرة؟ وربما كانت الإجابة التي يختارها كل إنسان لهذا السؤال هي التي تكشف حقيقة فلسفته في الحياة، قبل أن تكشف حقيقة إيمانه.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

