الكاتبة : نجاح العبدلي.
لا أدري لماذا كلما فقدنا عزيزًا عاد إلينا الذين فقدناهم قبله.
كأن الموت لا يأخذ شخصًا واحدًا فقط، بل يفتح في القلب أبوابًا قديمة ظننا أننا أغلقناها منذ زمن.
نحن لا نبكي الراحل الجديد وحده، نبكي معه كل الذين سبقوه، كل وجهٍ غاب، كل صوتٍ لم يعد يُسمع، كل مكانٍ بقي كما هو بعد أن غادره صاحبه
وكل كلمةٍ تمنّينا لو قلناها قبل أن يصبح الوقت مستحيلًا.
ولهذا نشعر أن الوجع مع كل فقدٍ جديد يصبح أثقل.
ليس لأن قلوبنا ضعفت، بل لأنها حملت كثيرًا.
القلب الذي فقد مرة لا يعود كما كان والذي فقد مراتٍ كثيرة يتعلم كيف يبتسم وهو يحمل في داخله مقبرةً من الذكريات.
نحن لا نتجاوز من نحب، نحن فقط نتعلم كيف نحمل غيابهم دون أن نسقط.
ومع كل فقدٍ جديد نشعر أن مساحة الاحتمال تضيق، وأن القلب الذي كان يحتمل كثيرًا أصبح يتعب من مجرد خبر.
لكن ربما هذه هي الحقيقة التي نحتاج أن نتذكرها حين يشتد علينا الحزن: لسنا مطالبين بأن نكون أقوياء أمام الفقد طوال الوقت.
من حق القلب أن يحزن، ومن حق العين أن تبكي
ومن حق الروح أن تقول: يا رب لقد تعبت.
فالله لا يطلب منا ألا نتألم، وإنما يفتح لنا بابًا آخر حين نتألم باب الدعاء.
قل: يا رب أنا لا أستطيع أن أحمل هذا كله وحدي.
وقلها كما هي دون تجميل: يا رب أوجعني الفقد وأرهقتني الغيابات، وكلما أخذت مني عزيزًا أعاد إليّ وجع الذين سبقوه، فلا تكلني إلى قلبي
واجبرني بجبرك.
فبعض الأوجاع لا يشفيها النسيان ولا الأيام ولا كثرة الكلام، بعض الأوجاع تحتاج أن تُسلّم لله.
أن تقول: يا رب إن كان فراقهم قدرًا لا أملك دفعه
فامنحني من الصبر ما يجعلني أحتمل هذا القدر دون أن ينطفئ قلبي.
ويا رب إن كانوا قد غابوا عن أعيننا فلا تغيبهم عن رحمتك.
وإن عجزنا عن الوصول إليهم فدعائنا يصل.
وهذه من أرحم الحقائق في الفقد.
أن الإنسان قد يغيب عن الدنيا ولا يغيب عن الدعاء.
نستطيع أن نحب موتانا حتى بعد موتهم، نستطيع أن نهديهم الدعاء والصدقة والاستغفار.
ونستطيع أن نحمل أسماءهم في سجودنا كلما اشتقنا إليهم.
وهكذا يتحول بعض الألم من شيء يخنقنا إلى شيء يقودنا إلى الله.
ربما لهذا تزداد ذاكرتنا امتلاءً بالراحلين كلما تقدم بنا العمر.
ليس لأن الحياة أصبحت أقسى فقط بل لأن قلوبنا أصبحت أكثر امتلاءً بمن أحببناهم.
نحن نمضي في الحياة ومعنا الذين رحلوا.
في ملامحنا شيء منهم، في كلماتنا شيء منهم
في عاداتنا شيء منهم، وفي دعائنا أسماء لا يعرفها أحد سوانا.
وما أجمل أن نصل إلى تلك الطمأنينة التي تقول: لقد أخذهم الله مني لكن الله لم يأخذهم من رحمته.
وأن الفراق الذي يبدو لنا نهاية ليس في ميزان الإيمان إلا مرحلة مؤقتة بين لقاءين.
فيا رب حين تضيق قلوبنا من كثرة الغياب وسّعها برحمتك.
حين تتعب ذاكرتنا من استحضار الراحلين أجعل ذكراهم علينا رحمة لا عذابًا.
وحين نبكي من شدة الاشتياق أجعل دموعنا دعاءً يصل إليهم.
اللهم أربط على قلوبنا كلما أخذت منا عزيزًا ولا تجعل كثرة الفقد تطفئ فينا يقين اللقاء.
اللهم أرحم من سبقونا إليك وأجمعنا بهم في مكانٍ لا يموت فيه أحد، ولا نفقد فيه أحدًا
ولا نعرف فيه معنى الفراق.
فربما لا يكون عزاء القلب أن ينسى من أحب، بل أن يطمئن أن من أحب لم يضع، وإنما سبقنا إلى رحمةٍ أوسع من هذه الدنيا كلها.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

