الكاتبة : منى السويدان.
الجزء الأول
ليست كل امرأة قوية اختارت القوة.
بعض النساء لم يخترن يومًا أن يصبحن بهذه الصلاب؛ لكن الحياة كانت تسأل منهم كل يوم: من سيحميكِ إن لم تحمي نفسك؟.
فكبرت في داخلهم امرأة أخرى، امرأة لا تنام تمامًا،
لا تسلّم ظهرها، لا تترك المقود، ولا تصدّق بسهولة أن أحدًا سيبقى إذا ارتخت يدها قليلًا.
أسميها: الحارسة.
والغريب أن الناس يرون الحارسة ثم يظنون أنهم رأوا المرأة.
لا تصدقوا المرأة من أول وجه.
فالإنسان لا يُظهر دائمًا ما هو عليه، أحيانًا يُظهر ما اضطر أن يكونه كي لا يُكسر.
ولهذا، قد تقابل امرأة شديدة القوة، حاسمة، مستقلة، لا تطلب، لا تنتظر، لا تتكئ، تعرف كيف تدير حياتها وحدها، وكأن العالم لا يستطيع أن يفاجئها بشيء.
فتقول: هذه امرأة قوية.
وربما تكون مخطئًا. ربما لم تكن تنظر إلى قوتها…
بل إلى خوفها بعد أن تعلّم الوقوف منتصبًا.
فبعض النساء لا يولدوا محاربات.
الحياة هي التي تعلّمهم أن النوم دون سلاح مخاطرة.
تتعلم مبكرًا أن لا أحد سيأتي، فتأتي هي.
أن لا أحد سيتولى الأمر، فتتولاه.
أن الانتظار يوجع، فتتوقف عن الانتظار.
أن الاحتياج قد يُستخدم ضدها، فتقتل السؤال على شفتيها قبل أن تقول: أحتاجك.
ثم تمر السنوات وينسى الجميع أن هذه القوة بدأت يومًا كوسيلة نجاة.
وتنسى هي أيضًا.
تقول: هذه شخصيتي.
بينما قد يكون جزء كبير مما تسميه “شخصيتي” هو تاريخ كامل من الأشياء التي لم يكن مسموحًا لها أن تشعر بها بأمان.
لهذا لا أؤمن أن كل امرأة تبدو قوية تسكن القوة فعلًا.
بعض النساء يسكنهم الخوف، لكنه يرتدي بدلة القوة.
ولا أؤمن أن كل امرأة مستقلة مكتفية.
بعض الاستقلال حرية، وبعضه جملة قديمة جدًا تقول: لن أحتاج أحدًا مرة أخرى، لأنني أعرف ماذا يحدث لي عندما أحتاج.
وهنا تبدأ الأنثى في الاختباء؛ لا تختفي أنوثتها، لا تموت، ولا تصبح أقل أنوثة.
إنها فقط تتراجع إلى غرفة داخلية لا يدخلها أحد.
ويخرج بدلًا منها الحارس.
الحارس الذي يقرر، الذي يسيطر، الذي لا يبكي، الذي يعرف ماذا يفعل، الذي يقول: أنا أقدر.
حتى في اللحظة التي تتمنى فيها روحها أن تسمع: أعرف أنك تقدرين…لكنّك لستِ مضطرة هذه المرة.
وهذه الجملة تحديدًا قد تهدم في امرأة جدارًا بنته سنوات.
ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها تعبت من أن تكون الشخص الذي يحمل نفسه دائمًا.
لكن الخداع لا يحدث في القوة وحدها، حتى الرقة قد تكون قناعًا.
ليست كل امرأة كثيرة البكاء حساسة الروح.
وليست كل امرأة ناعمة الصوت أنثوية في جوهرها.
وليست كل من تجيد الدلال تعرف الرحمة.
فقد تبكي امرأة لأن العالم لم يعاملها كما تريد،
ثم تمر أمام ألم إنسان آخر ولا يرتجف فيها شيء.
وقد تقابل امرأة لا تبكي أمامك أبدًا، صوتها ثابت،
خطوتها قوية، ولا تعرف كيف تطلب الاحتواء.
لكن قلبها يتألم لمخلوق لا يستطيع الكلام، وتنتبه لانكسارٍ أخفاه صاحبه عن الجميع، وتحمل في داخلها رحمةً لا تعرف كيف تستعرضها.
فأيتهما الحساسة؟
لا تخدعكم الملامح.
رقة الأعصاب ليست بالضرورة رقة الروح،
كما أن صلابة المظهر ليست بالضرورة صلابة القلب.
هناك أرواح من حرير تعيش داخل نساء تعلّموا المشي بالدروع.
ومتى تظهر أنوثتها كاملة؟
ليس عندما ترتدي فستانًا.
ولا عندما تخفض صوتها.
ولا عندما تتعلم كيف تمشي، وكيف تجلس، وكيف تتحدث، وكيف «تجذب الرجل».
فالأنوثة التي تحتاج إلى تعليمات كي تظهر قد تتحول إلى أداء متقن، لكن الأنوثة الحقيقية أقدم من كل ذلك.
هي فطرة.
والفطرة لا تحتاج من يصنعها.
تحتاج فقط إلى مساحة لا تضطر فيها إلى الاختباء.
تظهر أنوثة المرأة كاملة حين تشعر بالأمان الكافي لكي تتوقف عن الحراسة.
حين لا تحتاج أن تعرف كل شيء مسبقًا.
ولا أن تسيطر على كل التفاصيل.
ولا أن تتوقع الخذلان قبل حدوثه.
ولا أن تبقى متأهبة وكأن الحب ساحة حرب.
حين تستطيع أن تقول: لا أعرف.
ولا تخاف.
ساعدني…
ولا تشعر بالنقص.
اشتقت لك…
ولا تشعر أنها سلّمت رقبتها لأحد.
أنا خائفة…
ولا تخشى أن تُستخدم مخاوفها ضدها.
احتويني…
دون أن تخجل من احتياج إنساني فيها.
هناك…
تبدأ المرأة بالخروج من مخبئها.
لكن قبل أن تسأل امرأة قوية: لماذا لا تُسقطين سلاحك؟
اسأل أولًا: هل أعطيتها يومًا سببًا واحدًا يجعلها تشعر أنها تستطيع ذلك؟.
فأقسى ما قد يحدث للمرأة ليس أن تحمل السيف طويلًا…
بل أن تنسى بعد سنوات من حمله كيف كانت يداها قبل أن تتعلما القتال.
وحين ترى امرأة لا تعرف كيف تتكئ، لا تسألها لماذا تصرّ على الوقوف.
ربما السؤال الحقيقي هو: كم مرة سقطت حين اتكأت…حتى أقسمت في داخلها ألّا تمنح ثقل روحها لكتفٍ مرة أخرى؟
…….
الرجل الذي يوقظ الأنثى
الجزء الثاني
هناك رجال لا يجعلون المرأة تحبهم فقط…
بل يجعلون جزءًا فيها كان يعيش مختبئًا منذ سنوات يشعر للمرة الأولى أنه يستطيع الخروج.
لا يعلّمونها الأنوثة، ولا يمنحونها إياها.
هم فقط لا يعطون الحارسة سببًا جديدًا لتقف.
وحين يطمئن الحارس، تحدث أشياء لم تكن المرأة نفسها تعرف أنها ما زالت قادرة عليها.
وقد يحدث شيء عجيب أمام الإنسان الصحيح: تكتشف امرأة عاشت سنوات تقول: أنا لا أحتاج أحدًا، أنها تحب أن تتكئ.
والتي كانت تقرر كل شيء، تكتشف لذة أن تثق بقرار شخص آخر.
والتي لم تكن تسمح لأحد أن يراها تبكي، تضع رأسها على صدره وتبكي دون أن تمسح دموعها بسرعة.
والتي كانت تدخل كل علاقة بعقل مستيقظ عند الباب، تجد نفسها لأول مرة لا تراقب المخارج.
ليس لأنها أصبحت أضعف؛ بل لأنها لم تعد في خطر.
وهنا يظهر أجمل وجه للأنوثة: حين لا تكون المرأة مطالبة بإثبات أنها قوية، لأنها تعرف أنها قوية.
ولا مطالبة بإثبات أنها مستقلة، لأنها تعرف أنها تستطيع الرحيل إن وجب الرحيل.
ولا تخشى أن تكون رقيقة، لأنها تعرف أن رقتها لن تجعلها مستباحة.
فتخرج منها أنوثة مختلفة، أنوثة لا تستجدي، ولا تتمثّل، ولا تُغري لتُرى، ولا تتصنع الضعف كي يُقال عنها أنثى.
أنوثة امرأة تعرف أنها تستطيع حمل العالم…
لكنها أخيرًا وجدت مكانًا تستطيع فيه أن تضع العالم من يديها.
وهنا شيئًا مخيفًا: ربما لا نعرف الناس فعلًا.
ربما نعرف دفاعاتهم فقط.
نحب فيهم صفات صنعتها جراحهم، ثم نستغرب حين يتشافون ويتغيرون.
نقول: لم تعودي كما كنتِ.
والحقيقة؟
ربما للمرة الأولى…أصبحت كما كانت ستصبح، لو أن الخوف لم يسبقها إلى تكوين شخصيتها.
وتبدأ بسؤال نفسها : أي امرأة في داخلي لم تحصل يومًا على الأمان الكافي كي تظهر؟
قد يكون خلف استقلالك امرأة تحب المشاركة.
وخلف سيطرتك امرأة تتمنى أن تثق.
وخلف صمتك امرأة ثرثارة مع من تأمن له.
وخلف صلابتك امرأة شديدة الحنان.
وحين تتشافى، لن تفقد قوتها.
ستفقد فقط حاجتها إلى استخدامها في غير موضعها.
لن تصبح أقل استقلالًا. ستصبح حرة في أن تختار متى تستقل ومتى تتكئ.
لن تصبح أضعف. ستصبح قوية إلى الحد الذي يسمح لها أخيرًا بأن تكون رقيقة.
وهذه، في رأيي، من أعلى درجات الأنوثة: أن تكون المرأة قادرة على حمل سيفها…لكنها لم تعد مضطرة للنوم وهي تمسك به.
فأنوثتها لم تكن غائبة طوال تلك السنوات.
كانت هناك…خلف الحارسة.
تنتظر شيئًا واحدًا فقط: أن تشعر أن الحياة، أو المكان، أو الإنسان الذي أمامها لن يعاقبها إذا خرجت بلا سلاح.
وعندها لا “تتعلم” المرأة أنوثتها ولا “تستعيدها”.
إنها فقط…تفتح الباب للمرأة التي كانت تسكنها طوال الوقت، لكنها لم تشعر بالأمان الكافي كي تعيش.
وهناك شيء لا يمكن تجاهله: الأنوثة لا تزدهر في علاقة تُجبر المرأة كل يوم على مغادرة موقعها كي تسدّ فراغًا تركه الرجل.
فحين تكون مع ذكرٍ يحمّلها مسؤوليته، ويترك لها القرار دائمًا، والتدبير، والمواجهة، والحماية، وإصلاح الفوضى، وحمل البيت والعلاقة والمستقبل…
ثم يعود ليسأل: لماذا لم تعودي رقيقة كما كنتِ؟
فهو لم يفهم ما حدث.
كيف تريد منها أن تُسقط الحارس، وأنت كل يوم تعطيه سببًا جديدًا ليستيقظ؟
كيف تريد أنوثتها هادئة، وأنت وضعتها في حالة استنفار؟
كيف تريدها أن تتكئ، وأنت أول من علّمها أن كتفك لا يُعتمد عليه؟
وكيف تطلب منها أن تسلّم، وهي تعرف أنها إن تركت المقود لحظة…
قد لا يكون هناك أحد يمسكه؟
بعض النساء لم يختاروا أن يصبحوا رجل العلاقة.
لقد وجدوا المقعد الآخر فارغًا…فجلسوا فيه كي لا تسقط الحياة.
وهذه جملة يجب أن نتوقف عندها طويلًا.
لأن المرأة حين تُحمَّل طويلًا دورًا ليس دورها،
لا تتغير أفعالها فقط…
يتغير جهازها الداخلي كله.
تبقى منتبهة، تحسب، تخطط، تتوقع، تراقب، تحلّ،
وتستعد دائمًا للأسوأ.
حتى جسدها ينسى معنى أن يكون مطمئنًا.
ثم يقال لها: أين أنوثتك؟
وكأن الأنوثة زرّ تستطيع تشغيله مساءً بعد أن قضت نهارها تحمل أدوار شخصين.
لا يمكنك أن تجعل المرأة تحمل العلاقة على ظهرها، ثم تطلب منها أن تمشي فيها بخفة.
ولا أن تجعلها مسؤولة عنك، ثم تطلب منها أن تشعر معك بأنها محمولة.
فالمرأة قد تكون قادرة على كل شيء…
لكن قدرتها لا تعني أن كل شيء مسؤوليتها.
وهناك فرق هائل بين امرأة تفعل لأنها تستطيع،
وامرأة تفعل لأنها تعرف أن لا أحد سيفعل إن لم تفعل هي.
الأولى قوية.
أما الثانية، فقد أصبحت القوة عندها وظيفة بقاء.
وهنا نفهم لماذا قد تتغير المرأة مع رجل عن رجل.
ليس لأنها تتصنع شخصيات مختلفة.
بل لأن بعض الرجال يستدعون منها الحارسة…
وبعضهم يجعل الحارسة، لأول مرة منذ سنوات،
تجلس.
مع رجل ناضج، حاضر، مسؤول عن نفسه، لا يلقي حياته على كتفيها، ولا يجعلها أمًّا له، ولا مديرةً لفوضاه، ولا منقذةً دائمة له…
تحدث داخل المرأة راحة غريبة.
لا لأنها أصبحت ناقصة بدونه؛ بل لأنها لم تعد مضطرة أن تكون زائدة عن نفسها لتعوض نقصًا في العلاقة.
فتعود إليها خفتها.
تضحك أكثر.
تلين أكثر.
تطلب بلا خوف.
تتدلل دون تمثيل.
تسمح لنفسها بأن تُحتوى.
وتظهر أنوثتها دون أن تستدعيها عمدًا.
لأن الأنوثة الحقيقية لا تحتاج أن يقول لها رجل:
كوني أنثى.
بل تحتاج رجلًا لا يضطرها كل يوم إلى أن تكون كل شيء إلا أنثى.
قد يقول رجل: أريد امرأة أنثوية.
بينما كل سلوكه معها يصنع امرأة متأهبة.
يريد منها اللين، لكنه لا يمنحها ما يجعلها تطمئن.
يريد منها التسليم، وهو لم يصبح أهلًا للثقة.
يريد منها الاحتواء والاهتمام، بينما هو الذي جعلها تحمل نفسها وتحمله.
ثم يستغرب أنها لم تعد المرأة التي عرفها في البداية.
والحقيقة المؤلمة؟
هو لم يفقد أنوثتها…
هو فقط عاش معها بطريقة جعلت أنوثتها تعرف أن وقت ظهورها لم يحن بعد.
فالأنثى لا تظهر كاملة أمام “ذكر” لمجرد أنه رجل.
تظهر حيث تشعر أن الرجولة أمامها ليست سلطةً عليها، بل حضورًا ومسؤوليةً وأمانًا.
وحين تجد رجلًا يحمل دوره دون أن يلقيه عليها،
ويحمل معها الحياة دون أن يجعلها تحمل حياته،
ويستطيع أن يقول لها بأفعاله قبل كلماته: أنا هنا؛ لستِ مضطرة أن تكوني وحدك في كل شيء.
عندها يحدث شيء لا تصنعه دورات الأنوثة، ولا الملابس، ولا نبرة الصوت.
ينام الحارس.
وتخرج المرأة التي كانت خلفه.
ليس لأن رجلًا منحها أنوثتها، فأنوثتها كانت لها منذ البداية.
لكنه لم يجبرها على إخفائها كي تنجو معه.
ولهذا ربما لا يكون أعظم ما يفعله الرجل في قلب امرأة أن يجعلها تحبه، بل أن يجعلها تشعر
أنها لا تحتاج إلى حماية نفسها منه.
أن تنام قربه دون أن تنام الحارسة معها.
أن تختلف معه دون أن تستعد للحرب.
أن تحتاجه دون أن تخاف من ثمن احتياجها.
أن تسلّمه جزءًا هشًا منها وهي تعرف أنه لن يعود به يومًا كسلاح.
فالرجل الحقيقي لا “يوقظ أنوثة” امرأة كما لو أنها كانت ميتة.
هو يفعل شيئًا أندر بكثير: يجعل الحرب داخلها تنتهي.
وعندما تنتهي الحرب، لا تحتاج الأنثى إلى من يستدعيها، تخرج وحدها.
ولهذا، إذا أردت أن تعرف أي رجل كنت في حياة امرأة، فلا تسأل: كم أحبتني؟
اسأل: من كانت وهي معي؟
هل كانت امرأة، أم كانت جيشًا؟
هل نامت روحها بجانبك، أم ظل جزء منها واقفًا طوال الليل يحرسها منك؟
لأن بعض الرجال تمرّ بهم المرأة فتزداد درعًا.
وبعض الرجال؛ تضع عند بابهم سيفًا حملته نصف عمرها، وتدخل لأول مرة بيديها فارغتين..
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

