الكاتبة : منى السويدان.
لو رأيتم كيف أعتني بأشيائي، وكيف أحفظ أثر ما أحب، لما استغربتم شيئًا من قلبي.
فأنا لم أكن يومًا لغزًا معقدًا، بل كنت واضحة جدًا، لكن كثيرين نظروا إليّ دون أن يروني.
أنا لا أفرح قليلًا، ولا أحزن قليلًا، ولا أحب قليلًا.
أشعر بالأشياء كما لو أن روحي خُلقت بلا مسافات تفصلها عن العالم.
أحزن حتى آخر الحزن، وأفرح حتى آخر الفرح، وأودّع كما يودّع طفلٌ أحبّ بكل قلبه.
ولهذا أحتفظ بالأثر.
ليس لأنني أعيش في الماضي، بل لأن كل ما أحبّه يترك جزءًا منه في روحي، وأنا لا أجيد المرور على الجمال وكأنه شيء عابر.
بعض الناس لا يفهمونني حين أقول إنني أحب الأشياء.
أحب كتبي، ولوحاتي، ومجوهراتي، والصور القديمة، والمدن التي مررت بها.
ويظنون أن الأمر مجرد تعلق بأشياء.
لكنهم لا يعرفون أنني لا أحب الأشياء لذاتها.
أنا أحب الأثر.
أحب المعنى الذي يسكنها، والذكرى التي اختبأت فيها، والنسخة مني التي عاشت معها يومًا.
فالكتاب ليس ورقًا، والمدينة ليست شوارع، والهدية ليست مادة، والصورة ليست ألوانًا.
كلها أوعية لشيء آخر…
للحظة عشتها،
ولشعور مرّ بي،
ولجزء من روحي ما زال يقيم هناك.
ولهذا تصبح الأشياء ثمينة عندي.
لا لأنها نادرة، بل لأنني أحببتها.
فالناس يرون أشياء، وأنا أرى قصصًا.
يرون كتابًا، وأنا أرى مساءً كاملًا عشته بين صفحاته.
ويرون مدينة، وأنا أرى عمرًا من المشاعر ما زال يمشي في طرقاتها.
ويرون صورة قديمة، وأنا أرى زمنًا كاملًا ما زال يتنفس خلفها.
وربما لهذا يؤلمني الفقد أكثر مما ينبغي.
لأنني لا أفقد الأشخاص فقط، بل أفقد العالم الذي كان يعيش من خلالهم.
أفقد الضحكات التي كانت معهم، والأيام التي عبرت بهم، والنسخة مني التي لم تكن تظهر إلا بقربهم.
أنا لا أودّع إنسانًا…
أنا أودّع كونًا كاملًا.
ولهذا لم أفهم يومًا أولئك الذين يستبدلون البشر كما يستبدلون أشياءهم.
لأنني حتى أشيائي لا أستبدلها بسهولة.
فكيف بقلبٍ أعطيته مكانًا في قلبي؟
وكيف بروحٍ أصبحت جزءًا من حكايتي؟
أنا لا أجمع الأشياء…
أنا أجمع الأرواح التي تركتها الأشياء في داخلي.
ولا أبكي ما أفقده فقط…
بل أبكي العالم الذي كان يعيش فيّ بسببه.
ولا أخاف من الذين لا يحبونني.
أخاف من الذين لا يفهمون معنى الحب أصلًا.
أولئك الذين يظنون أن الحب شعور عابر، بينما هو عندي اعتراف.
اعتراف بأن شيئًا من روحك مرّ من هنا…
وترك أثرًا لا يزول.
ولهذا لا أقيس الحب بمن بقي في حياتي، بل بمن بقي أثره حيًا في قلبي، حتى بعد أن غاب.
لأن بعض الأرواح لا تعبر الحياة بحثًا عن الأشياء…
بل بحثًا عن المعنى.
وحين تجد ما يمسّها حقًا، لا تحتفظ به في ذاكرتها فقط، بل تنسجه في نسيج روحها.
ولهذا لا تعيش هذه الأرواح بالأيام التي مرّت عليها…
بل بالآثار التي بقيت فيها.
بعض الناس يمرّون بالحياة ويتركون خلفهم أشياء كثيرة…
أما أنا، فأمرّ بها وأجمع منها آثارًا.
فالذي عاش حقًا لا يُقاس بما امتلك…
بل بما بقي حيًا في روحه بعد أن مضى.
أدركت مع الوقت أنني لا أحفظ الأشياء خوفًا من ضياعها، بل احترامًا لما منحته لي يومًا من معنى.
فبعض البشر يجمعون الممتلكات، وبعضهم يجمع الإنجازات، أما أنا فأجمع الأثر.
أجمع اللحظات التي غيّرتني، والوجوه التي وسّعت قلبي، والأماكن التي تركت شيئًا من روحها في روحي.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

