الكاتبة : منى السويدان.
نظنّ أننا نرى بوضوح، لكننا في الحقيقة…
لا نرى، بل نُسقِط
ثم نُقدّس الوهم حتى يتشكّل بنا،
فنختلط به…ولا نعود نميّز:
أهو نحن… أم ما نظنّه واقعًا؟
وهنا
لا يكون أخطر ما في الوهم أنه كذب، بل أنه يُشبهنا
إلى الحدّ الذي لا نشكّ فيه وحين يُلامسنا ما لا يُشبهنا،
لا نشكّ في رؤيتنا، بل نشكّ في الواقع.
نقصي ما يُربكنا، ونحتفظ فقط بما يؤكّدنا.
وهكذا ، لا نضلّ لأن الحقيقة غائبة،
بل لأننا لا نحتملها حين لا تُشبهنا.
ففي حضرة الوهم…
لا يحتاج الإنسان أن يُخدَع، يكفي أن يصدّق نفس
فليست كل رؤيةٍ إدراكًا،
ولا كل ما يُرى… حقيقة.
فالإنسان لا يرى العالم كما هو،
بل كما صيغ له أن يراه، وكما اعتاد أن يفهمه،
حتى يختلط عليه الفرق بين ما يُبصره… وما أُبصِر له.
الوهم لا يأتي دائمًا في صورة خطأ واضح،
بل كثيرًا ما يتخفّى في هيئة يقين،
يستقرّ في الوعي حتى يبدو بديهيًا،
لا يُسأل عنه… ولا يُراجع.
ومن هنا تبدأ أخطر أشكال الغفلة:
حين لا يشكّ الإنسان فيما يظنّه معرفة،
ولا يلتفت إلى أن إدراك نفسه
قد يكون نتاجًا لتراكمٍ لم يختره.
فالعقل، لا يعمل دائمًا كأداة كشف،
بل قد يتحوّل—دون وعي— إلى أداة تثبيت لما أُلقي فيه.
يعيد ترتيب ما يعرف، ويقصي ما يُربكه،
ويحمي الصورة التي اعتادها، لا الحقيقة التي قد تهزّه.
وهكذا، لا يُحرَّف الواقع بالضرورة…
بل يُعاد تفسيره.
فيُرى القريب تهديدًا، والبعيد طمأنينة،
لا لأن الحقيقة كذلك،
بل لأن الإدراك صيغ على هذا النحو.
ويُفهم الصمت إهمالًا،
والانشغال برودًا،
والاختلاف رفضًا،
لا لأن المعنى واحد، بل لأن الداخل لا يحتمل تعدّده.
وفي هذا الخلل،
تُبنى الأحكام لا على ما هو كائن، بل على ما يُوافق البنية الداخلية للإنسان.
الحب،
قد لا يُرى كما هو، بل كما يخافه صاحبه أو يشتهيه.
الصدق،
قد يُرفض، لا لأنه غير موجود، بل لأنه لا يشبه التوقّعات.
والقرب،
قد يُساء فهمه، إذا لم يأتِ بالشكل المألوف.
وهكذا،
لا يعيش الإنسان الواقع، بل يعيش تأويله الخاص له.
لكن الإدراك الحقيقي،
لا يبدأ بتوسيع ما ترى، بل بتفكيك الطريقة التي ترى بها.
أن تدرك أن ما تراه
ليس بالضرورة ما هو، بل ما اعتدت أن تراه.
أن تشكّ في يقينك، لا ضعفًا… بل دقّة.
أن تفسح مساحة لاحتمالٍ آخر،
لمعنى لم تألفه، ولحقيقة لا تُشبهك.
فالحقيقة لا تُقصى لأنها غائبة،
بل لأنها لا تتوافق مع الصورة الداخلية.
ومن هنا،
لا يكون الوعي إضافة معلومات، بل إزالة طبقات.
إزالة ما تراكم، لا ليضيع الإنسان، بل ليبصر.
فالبصيرة،
لا تُمنح لمن ينظر أكثر، بل لمن يرى بلا تحيّز.
وحين يتحرّر الإدراك من إسقاطاته،
لا يتّسع العالم فقط… بل يستعيد الإنسان علاقته به.
يرى دون أن يُحمّل،
يفهم دون أن يُحرّف،
ويقترب دون أن يُسقِط ذاته على ما يقترب منه.
هناك،
لا يعود السؤال: ماذا أرى؟
بل: كيف أرى؟
وهنا يبدأ التحوّل الحقيقي:
حين يدرك الإنسان أن تحرير الرؤية…
أعمق من تغيير المشهد.
وأن الحقيقة،
لا تحتاج أن تُضاف إلى الواقع، بل أن تُرفع عنها طبقات الوهم، لتظهر كما كانت دائمًا…واضحة، لكن لم تُرَ.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

