الكاتبة : منى السويدان.
هذا النص لا يتوقف عند الغياب الجسدي،
بل يتجاوز ذلك
ليلامس الفراغ الفلسفي والروحي
الذي يتركه الفقد فينا.
فالفقد، من منظورٍ وجودي،
ليس غياب شخص فقط،
بل هو خلل في معنى الوجود ذاته،
كأن الحياة تستمر شكليًا،
لكنها فقدت مبررها الداخلي.
لتغادر معه اتجاهاتك،
وتهتز معانيك،
وتفقد الروح قدرتها على الاهتداء.
تدرك أن وجوده
لم يكن مجرد إضافة …
بل كان الميزان نفسه.
الفقد، أو الفراق،
يتركنا عراة أمام الوجود
دون تفسير،
فالغياب لا يترك فراغًا فقط،
بل يخلخل مقياس الحياة كله.
نظن أحيانًا أن الفراق قوة،
نختاره لأننا اعتدنا وجود الآخر،
فنؤجل الكلام،
ونبخل بالمشاعر،
ونتعامل مع الحب وكأنه مضمون.
لكن القلوب التي تُهمل… تُهملك،
وما لا يُروى… يموت.
الفقد الحقيقي
لا يكون في لحظة الوداع،
بل قبلها بكثير،
حين نختار الصمت بدل الصدق،
والتأجيل بدل الحضور،
والاعتياد بدل الحب اليقظ.
وننسى أن الفوضى
قابلة للتعديل
ما دام هناك من يفهمنا.
فحين يدخل شخص إلى القلب،
لا يدخل كإنسان فقط،
بل كفكرة،
كقيمة،
كمركز ثقل
تدور حوله أرواحنا دون وعي.
وعندما يرحل،
لا نفقده وحده …
بل نفقد النظام
الذي كنا نعيش عليه.
الفيلسوف نيتشه
لم يكن يخاف الألم،
بل كان يخاف فقدان المعنى،
لأن أقسى أشكال الفقد
هو فقدان المعنى ذاته؛
ذلك الذي لا يجعلك تتألم فقط،
بل يجبرك على إعادة تعريف نفسك
وكل ما كنت تؤمن به
نخطئ حين نظن أن القرب دائم،
وأن الاعتياد شكل من أشكال الأمان،
فنؤجل الصدق،
ونخفض جرعة الحب،
وكأن المشاعر لا تحتاج إلى يقظة.
لكن الوجود لا يعترف بالإهمال،
فيختار الزوال دون استئذان.
الفقد لا يأتي فجأة،
ليس دائمًا بالموت،
قد يكون عملية بطيئة،
يأتي حيًا يمشي على قدمين.
يبدأ حين نعيش بنصف حضور،
ونحب بنصف شجاعة،
ونؤجل الاعتراف
كأن الزمن حليفنا
فينظر إليك من أحببت،
ولا يعود يرى فيك شيئًا
فتصحو على حقيقة تقصم الروح:
أن المشاعر التي كانت تتجه إليك انطفأت،
لا لأنها ضعفت،
بل لأنها أُهملت حتى الموت،
وأن ما بداخله نحوك
مات بصمتٍ دون وداع،
وأنك خرجت من قلبه
قبل أن يرحل عنك بجسده،
وانتهى كل إحساس
كان يتجه إليك
دون أن تشعر
هنا لا ينفع الندم،
لأن الندم نفسه فعل متأخر،
والوجود لا يكافئ المتأخرين.
الألم الحقيقي
ليس أنه لم يعد يحبك،
بل أنك تكتشف أن الحب
كان يحتاج منك شجاعة
لم تمتلكها في وقتها.
الفقد، في أقسى تجلياته،
لا يطرق الباب،
قد يكون فراقًا،
أو موتًا،
أو انسحابًا باردًا بلا ضجيج.
لتعزي بعدها روحك
بموتك أنت
في النسخة التي كنت ستكون عليها،
لو قُلت ما يجب قوله
في اللحظة الصحيحة.
وهنا الضربة الأخيرة:
بعض الناس لا نُضيّعهم لأنهم رحلوا،
بل لأننا لم نكن حاضرين بما يكفي
عندما كانوا هنا.
والوجع الأعمق
ليس أنه رحل فقط،
بل أن الضياع
كان بيديك
والكارثة الوجودية
ليست أنهم غابوا،
بل أنك ستعيش بقية عمرك
تحمل معرفة واحدة لا خلاص منها:
أن الخسارة لم تكن قدرًا،
بل اختيارًا صامتًا…
اتخذته أنت
في كل مرة قلت فيها:
ليس الآن.
بكل كلمة لم تُقال،
وبكل شعور تم تجاهله،
حتى تستيقظ يومًا
على غيابٍ
لا يمكن إصلاحه.
وهنا الحقيقة النهائية:
لقد خسرته،
ولن يعود أبدًا.
لا معنى للانتظار،
ولا فائدة للأمل.
قد يستمر الوجود بلا قلبه،
لكنّك تستمر
متأخرًا عن الزمن،
ولا يبقى لك
سوى الفراغ:
الصامت،
القاسي،
النهائي.
ورحل من اصطفته روحك
قبل قلبك،
من بين ملايين البشر.
فتنهار خرائطك الداخلية،
وتقف روحك على حافة اللاشيء،
سجينًا لفراغ لا عنوان له،
تتخبط بين ما فقدت
وما لم يعد موجودًا،
تتجمد في صمت
لا تستطيع معه
حتى أن تتذكر نفسك،
وتنهار
بلا مرسى،
بلا بوصلة،
بلا اتجاه،
بلا أمل.
قولوا لمن تحبون
إنكم تحبونهم الآن،
احتضنوا من تحبون،
شمّوا رائحتهم،
استشعروا دفئهم،
اعتذروا لمن أخطأتم في حقهم،
أخبروهم بألمكم،
بندمكم،
بما في دواخلكم،
واجهوا،
اعترفوا بما تشعرون،
قبل أن يتحول الحنين
إلى فراغ دائم،
وقبل أن تصبح المسافة
بينكم أبدية
لا رجعة فيها.
لا تنتظروا اللحظة المناسبة،
فهي غالبًا لا تأتي،
ولا تراهنوا على الغد،
فقد يأتي
وقد فقدتم روحه،
أو فقدتم مكانكم في قلبه،
أو فقدكم بهدوء…
وكأنكم لم تكونوا يومًا.
ويبقى سؤال واحد
سينهش الروح إلى الأبد:
كيف خسرته…
وهو لم يمت؟
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

