الكاتبة: د. الشيماء أشيبان.
أتذكر ذاك اليوم جيدًا، يوم ترقبت قدومه بفضول شديد، كانت تحتشد في داخلي أسئلة كثيرة؛ كيف سيكون الأمر، وكيف سأبدو؟ هل عليّ أن أقلق؟ أم أن الأمر لا يستحق كل هذا الاهتمام؟
كنت أعتقد أن شيئًا ما سيحدث خلال نومي في تلك الليلة، أصحو وأجدني قد أصبحت شخصًا آخر يصعب عليّ التعرف عليه.
هكذا كنت أتوقع أن يكون المشهد وأنا أستمع إلى صديقاتي وهن يصفن الأمر، يحاولن التمهيد للأمر والتخفيف عني.
إنه اليوم الذي أكملت فيه الأربعين من عمري، تعمدت ألا أقيم حفلًا كبيرًا يليق “بهيبة الحدث” كما كانت صديقاتي تنصحنني أن أفعل، بل اكتفيت بكعكة وبعض الهدايا من أسرتي، بذلت قصارى جهدي أن يبدو التحاقي “بنادي الأربعينيات” أمرًا عاديًا.
مرت أيام، أسابيع وأيضًا أشهر ولم ألحظ شيئًا مختلفًا، ربما لأنني لم أكن يومًا تلك المرأة التي تخشى التقدم في السن أو تراقب تحركات الشعر الأبيض وزحفه، لذلك أيقنت أن الأمر سيكون مختلفًا تمامًا في حالتي.
لكن السر الذي لم يكن يعرفه غيري، هو أنني كنت قد بدأت ألحظ علامات لم تخبرني بها صديقاتي، كانت أعراضًا قد بدأت تتسلل إلى داخلي قبل سنة من إتمامي الأربعين.
صرت كثيرة السرحان والتأمل والتساؤل، أطيل الوقوف عند أعمال تعودت القيام بها بشكل عفوي، أسأل نفسي لماذا عليّ أن أفعلها؟
أصبحت شديدة الحساسية للطريقة التي يخاطبني الآخرون ويعاملونني بها.
أحلل كل شيء وفي نفس الوقت أرمي بأفكار وقناعات كنت أعتبرها من مسلّماتي، كنت أعيش ولادة جديدة لنسخة لم أعرف بوجودها من قبل.
كانت هذه الولادة تشبه حركة داخلية خفية، مزيج من الانصهار والتشكل، والهدم والبناء، تتحرك ببطء، يلحظها الآخرون على شكل هدوء زادت كثافته وصمت تكررت نوباته.
بقيت أرقب زحف الأربعين وتغييراتها السحرية، وجادت قريحتي بهذه الخلاصة ربما تعيشونها الآن أو تزوركم يومًا أو تكون لكم تجربتكم الخاصة:
“يُقال إنه في سن الأربعين، يصل الإنسان إلى مرحلة «البلوغ العقلي»، لكن نادرًا ما يُقال إن هذا «البلوغ» لا يأتي بين عشية وضحاها، وإنما تسبقه مرحلة تشبه الجنون.
مرحلة؛ تنهدم فيها اليقينيات، تتكسر على صخورها المسلّمات، يُجافيك النوم… وأنت تتوسد الحيرة… وتتلحّف الأسئلة… عبثًا… بحثًا عن الأجوبة.
هي الزائر الخفي… تأتيك خلسةً… في نشوة الزهو بغنائم الثلاثينات؛ زواجٌ، عملٌ، بنون وبنات.
عند أقدامها… تنمحي الدهشة… تخبو التوقعات… تتصالح الأضداد… وتتكامل التناقضات.
فيها… يغدو الصمت دعاءك، والتأمل صلاتك، و«كيف؟ ولماذا؟ ومن أنا؟» وِردك.
تستقي أجوبتك… من هنا وهناك، غافلًا عنها، متستّرةً… في نجواك.
لن تفتح لك أقفالها… حتى تصالح الذات، وتقول لها: «أنتِ يا أنا… كما أنتِ… أحبكِ… وأعشقكِ… وأهواكِ».
لست من المحظوظين إن لم تعبث بك رياح «الأربعين»، فنسائمها…
تتنشقها «حكمةً»… في «الخمسين والستين».”
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

