الكاتب : عبدالله بن عبيد اليوبي.
منذ أن بدأ الإنسان يرفع رأسه إلى السماء، وهو يحمل السؤال ذاته بصيغٍ مختلفة: هل نمضي إلى أقدارنا بإرادتنا، أم أن أقدارنا هي التي تمضي بنا؟ وهل نحن صُنّاع الطريق، أم أن الطريق كُتب قبل أن تُخلق أقدامنا؟ هنا بدأت رحلة الفلاسفة، وتشعّبت من بعدها مناظرات المتكلمين، لا بحثًا عن جوابٍ يسير، بل لأن السؤال نفسه يمسّ معنى الإنسان.
فإذا كان كل شيء معلومًا، فأين تسكن الحرية؟ وإذا كانت الحرية حقيقية، فكيف نفهم سبق العلم؟ وهل يختار الإنسان أفعاله اختيارًا كاملًا، أم أنه يتحرك داخل مساحةٍ رُسمت له قبل أن يولد؟ تلك الأسئلة لم تكن ترفًا فكريًا، بل كانت محاولةً لفهم العدالة، والمسؤولية، والثواب، والعقاب، ومعنى الحياة نفسها.
وربما كان أكثر ما يربك العقل أن القدر لا يكشف نفسه إلا بعد وقوعه. فنحن لا نرى إلا صفحةً واحدة من كتاب الزمن، بينما يبقى بقية الكتاب مطويًا في عالم الغيب. ولهذا كثيرًا ما نسمّي ما وقع ضرورةً، مع أننا قبل وقوعه كنا نراه احتمالًا.
ومن هنا فان ايماني لا يتزعزع أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وخلق قدره، وأحاط علمه بكل ما سيكون، لكنه في الوقت نفسه منحه حرية الاختيار فيما كلّفه به. فالإنسان لا يختار زمان ميلاده، ولا أسرته، ولا كثيرًا من الظروف التي تحيط به، لكنه يختار موقفه منها، ويختار طاعة الله أو معصيته، والخير أو الشر، والعدل أو الظلم. ولذلك لا يتعارض الإيمان بالقدر مع مسؤولية الإنسان، لأن علم الله السابق لا يسلب العبد إرادته، وإنما يكشف كمال علم الخالق، بينما يبقى الاختيار ميدان الابتلاء الذي تقوم عليه المحاسبة.
ولعل الحكمة ليست في أن نحيط بالقدر علمًا، فذلك مما استأثر الله به، وإنما في أن ندرك حدود عقولنا.
فبعض الأسئلة تتجاوز حدود الأجوبة النهائية؛ لأنها لا تطلب من الإنسان أن يمتلك الحقيقة كاملة، بل تظل تذكّره بأن بين ما يعلم وما يجهل أفقًا لا ينتهي. وربما كانت عظمة القدر أنه يدعونا إلى التفكير، ثم يعلّمنا في النهاية أن للعقل حدًّا، وأن وراء ذلك الحد يبدأ الغيب.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

