الكاتب : عبدالله بن عبيد اليوبي.
في تاريخ المعرفة، لم يكن السؤال يومًا: كيف نجمع المعلومات؟ بل: من أين نبدأ الطريق إليها؟ وهل يولد العلم من يقينٍ سابق يستند إليه العقل، أم من شكٍ يهزّ ما اعتاد الإنسان أن يسلّم به؟
غير أن لفظ الشك من أكثر الألفاظ التي يختلف الناس في فهمها؛ ولذلك لا بد قبل متابعة هذا السؤال من التمييز بين معنيين لا يجمع بينهما سوى الاسم. فهناك شكٌّ سلبي يتسلل إلى العلاقات، فيجعل الإنسان يسيء الظن بزوجته، أو إخوته، أو أهله، ويبني أحكامه على الوهم والريبة دون دليل. وهذا ليس طريقًا إلى الحقيقة، بل مرضٌ إذا استقر في النفس أفسد المودة، وهدم الثقة، وحوّل البيوت إلى ساحاتٍ من الاتهام الصامت. أما الشك الذي اعنيه هنا، فهو شكٌّ فكري ومنهجي، لا يتجه إلى الأشخاص، بل إلى الأفكار والفرضيات والادعاءات التي تبحث عن دليل. إنه لا يسأل: بمن أثق؟ بل يسأل: ما الدليل؟ ولا يهدف إلى تمزيق الروابط، بل إلى تنقية المعرفة من الخطأ. فالشك في العلاقات يهدم، أما الشك في البحث العلمي فيفحص ويختبر، وبينهما فرقٌ كبير يجب ألا يختلط على القارئ.
يبدو اليقين لأول وهلة نقطة البداية الطبيعية؛ فالإنسان لا يستطيع أن يعيش إذا شك في كل شيء. إنه يثق بحواسه، ويتكلم بلغته، ويتعامل مع العالم كما لو كان ثابتًا. لكن هذه الثقة اليومية ليست هي العلم، بل هي الأرض التي يقف عليها الإنسان قبل أن يبدأ رحلته. أما العلم فلا يكتفي بما يبدو واضحًا، بل يسأل دائمًا: وهل هو حقًّا كما يبدو؟
ومن هنا كان الشك، لا بمعنى الإنكار، بل بمعنى المراجعة. فهو ليس خصمًا لليقين، وإنما أداته في التنقية. فالعقل لا يشك لأنه يحب الهدم، بل لأنه يريد أن يزيل ما علق بالحقيقة من أوهام، حتى يصل إلى يقينٍ أرسخ. ولهذا لم يتقدم العلم حين اكتفى الناس بما ورثوه، وإنما حين امتلك بعضهم شجاعة السؤال.
ومع ذلك، فإن الشك إذا تحوّل إلى غايةٍ في ذاته، انقلب من وسيلةٍ للمعرفة إلى سجنٍ للعقل. فمن يشك في كل شيء إلى الأبد، لن يصل إلى شيء أبدًا، وسيظل واقفًا عند أول الطريق. كما أن اليقين الذي يرفض المراجعة قد يتحول إلى جمودٍ يمنع الحقيقة من أن تظهر إذا جاءت في صورةٍ جديدة.
ولهذا فالعلاقة بين الشك واليقين ليست علاقة صراع، بل علاقة تعاقب. يبدأ الباحث بسؤال، ثم يختبر، ثم ينقد، ثم يصل إلى يقينٍ مؤقت، لا لأنه حقيقة مطلقة، بل لأنه أفضل ما وصل إليه الدليل في تلك اللحظة. فإذا ظهر دليلٌ أقوى، لم يكن الرجوع عنه هزيمة، بل انتصارًا للحقيقة.
ومن المنظور الإيماني، يختلف الأمر حين يتعلق بالغيب. فهناك حقائق لم يجعلها الله خاضعة للتجربة البشرية، بل جعل طريق معرفتها الوحي. وهنا لا يكون الشك المنهجي هو الأداة المناسبة؛ لأن العقل يستطيع أن يبحث في دلائل صدق الوحي، فإذا ثبتت لديه، أصبح اليقين بما أخبر به الوحي امتدادًا ليقينٍ عقلي، لا تعطيلًا له. فليس كل ما يعجز العقل عن إدراكه باطلًا، وإنما قد يكون فوق مجاله.
ولعل أدق ما يمكن قوله هو أن العلم لا يبدأ بيقينٍ جامد، ولا بشكٍ مطلق، بل بعقلٍ متواضع؛ عقلٍ يثق بالدليل أكثر مما يثق بنفسه، ويملك شجاعة أن يسأل، وحكمة أن يتوقف حين تنتهي حدود المعرفة. فالحقيقة لا تكافئ أكثر الناس شكًا، ولا أكثرهم ادعاءً لليقين، وإنما تكافئ من كان أصدقهم طلبًا لها.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

