الكاتبة : منى السويدان.
هل الشواطئ كافية لتخبرنا عن قوة البحر؟
نحن لا نعرف البحر من هدوئه الظاهر، ولا من المساحة التي يتركها للعين، بل من الأعماق التي لا يراها أحد.
هكذا بعض الأرواح تبدو متماسكة، فيُظن أن الألم لا يقيم فيها، وتبدو صلبة، فيُعتقد أن الأذى لا يترك أثره.
فيُحمَّلون أكثر مما يُحتمل، لا لأنهم لا يتألمون، بل لأنهم لا ينهارون أمام الآخرين.
القوة ليست غياب الوجع، بل القدرة على حمله دون أن يتحوّل قسوة.
والصبر ليس دعوة للإيذاء، بل امتحان لوعي من يظن أن التحمل إذنٌ للاستمرار.
صاحب الشخصية القوية يظنه الجميع قادرًا على التحمُل، فيتمرّدون عليه بالأذى، ولا يعلمون كم من الجروح يُخفيها خلف ذلك القناع.
في داخله نار، وبركان لا يُرى. يصدّق الجميع ضحكته وقوته، ولا يرون الصراعات التي تعصف به من الداخل، ولا ما يحمله فوق كتفيه من أثقال لا تُقال.
يداوي جراحه بنفسه، جراحه عميقة، قلبه ممتلئ بالوجع، وروحه مثقلة، ورغم ذلك يكمل الطريق
وهو ينزف بصمت، حتى تلتئم جراحه وحدها،
ويبقى أثرها شاهدًا لا يُمحى.
أسوأ ما يسمعه من أقرب الناس:
“فلان ليس حساسًا، لا يأخذ بخاطره، عقله كبير”.
غير واعين أن هذه الكلمات هي ذاتها سكاكين تُغرس في قلبه.
والغريب أن أقربهم إليه يتعاملون معه كالجبل،
يرمون فيه بذور قسوتهم، حتى وإن كانت سامة قاتلة، كأنه صنم لا إحساس له، بحجة أنه الجبل الذي سيحتمل غضبهم، وسوء نياتهم، ثم يعتذرون ببرود: “كنا متعبين… كنا مجروحين… ألقينا همومنا عليك”.
ما لا ينتبه له الجميع عن الشخصية القوية:
أنه أكثر الناس حساسية، يتألم، يصرخ، ويبكي…
لكن من الداخل. وجعه غير مُعلن، وصراخه بلا صوت.
هو لا يحتاج إعجابًا بقوته، بل روحًا صادقة، تربّت عليه، تسمعه، تحتضنه كإنسان… لا كصنم.
أما الشخصية الضعيفة، فيُدارى ضعفها، ويُحتوى وجعها، لأن دموعها مرئية، وألمها مُعلن. يخشى الجميع كسرها، وقد يُعتذر لها حتى وهي المخطئة، بحجة أنها مرهفة، لا تحتمل.
وأحيانًا، تختبئ بعض الشخصيات الضعيفة خلف الصراخ، وسلاطة اللسان، والكلمات الجارحة، تجعل من القسوة درعًا، ومن الإهانة قناعًا، لأن الاعتراف بالضعف أصعب من إيذاء الآخرين.
فالفرق ليس في القوة والضعف، بل في الوعي. وفي قدرتنا على ألا نحول تحمّل الآخرين إلى رخصة لإيذائهم.
لا تختبروا صبر البحر، ولا تظنوا صمته ضعفًا.
فالبحر لا يُكسر، لكنه حين يصمت طويلًا يهيج. وهيجانه لا يُنذر، ولا يصرخ قبل أن يبتلع، فالأعماق لا تتكلم، هي فقط تفعل.
احذروا هيجان البحر لأنه صامت، فأقسى العواصف تولد في العمق… لا على السطح.
ولا تتعجبوا حين تجدون الشواطئ خاوية، وتسألون: متى تغيّر البحر؟
ما تغيّر أنتم فقط لم تعودوا تجدون من يحتملكم.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

