Site icon مجلة شبابيك العالمية

اختيار.

الكاتبة : شذى الجاسر.

في الساحة الخارجية للمقهى الذي اعتادت على زيارته وكأنها تحج إلى مذبح انتصاراتها الصامتة. أخرجت سيجارتها، أشعلتها بنفس ثقيل، نفثت دخانها ببطء واختلط بأنفاسها كأنهما عاشقان قديمان يلتقيان في لحظة وجع.

ارتشفت من فنجان قهوتها، تلك القهوة التي طالما شاركتها الاحتفال بانكساراتها المنتصرة. كانت تعلم أنها ترتكب خطيئة، لكنها خطيئة تمنحها نشوة، تروي بها ظمأ غرورها … ولو للحظة واحدة.

في زحمة الضجيج الصامت، ظهر أمامها فجأة: شاب طويل، متوسط الوسامة، لكن جاذبيته تنساب في الهواء كعطر فخم. كان أنيقًا، واثق الخطوة، له رائحة الكبرياء ذاتها التي اعتادت سحقها. رمقته بنظرة خاطفة، ثم أعادت بصرها إلى البحر. النسمات داعبت خصلات شعرها، فبدت كغجرية مشاغبة ترقص وحدها على أنغام منفاها.
أنهت فنجانها، حدقت في قعره قليلًا، ثم قالت كأنها تخاطب نفسها: سألتقيه هنا، بعد أن أسحق قلب ضحية جديدة كما سحقت هذه السيجارة.

في صباح اليوم التالي، استيقضت على رؤيا غريبة: رجل يلاحقها بين أماكن غير مألوفة، حتى وقف أمامها وألبسها خاتمًا. حاولت خلعه، تحطيمه، لكنها عجزت. استيقضت مشوشة، بين رضى وغضب، ثم دفعت الرؤيا بعيدًا وبدأت التخطيط لرحلتها القادمة في تحطيم القلوب.

بعد فترة ليست ببسيطة إلا أنه في وقتها المعتاد عادت إلى ذات المقهى، كما تعود الأرواح إلى أماكن نزفها الأول. هناك كان ينتظرها، جالسًا بثبات، يرمقها بنظرة فاحصة. تجاهلته. أشعلت سيجارتها، أسندت ساقًا على ساق، أغمضت عينيها وتركت النسمات تعبث بشعرها. لكن صوته اخترق وحدتها:

ترك الورقة على الطاولة، وقف، لوح لها بابتسامة خفيفة، ومضى. بقيت تتأمل مكانه الخالي … ثم أمسكت بالورقة، وضعتها في حقيبتها، وابتدأ معها صراعها.

مرت ثلاث أسابيع. قررت أن تجعله ضحيتها الجديدة. اتصلت. لم يجب. عاود الاتصال بعد دقائق.

في البداية، كانت حادة، صلبة، كسيدة من رخام. لكنه كان صبورًا، عطوفًا، يعرف كيف يسحب الحجارة من حول قلبها دون أن يشعرها بالعري.

مضت عدة أشهر، ثم جاء موعد اللقاء. في ذات المقهى. على ذات الطاولة.
دخل متأخرًا قليلًا، حاملًا باقة ورد. مدت يدها بابتسامة مرهفة.

تكررت اللقاءات وقصرت المسافات بينهما. أخبرته بحربها وانتصاراتها، واحتفالاتها مع قهوتها. أخبرته كيف جُرِحَ قلبها وسحق، وكيف كانت تنتقم. تعلم أنه لا يجب عليها فعل ذلك، وتعلم أنه إثم كبير، وتعلم أن السبيل للتخطي يكون مع معالج نفسي، لكنها كانت في أعماقها رغبة قوية للانتقام، رغبة تجعلها تجري لتحقيقها بكل الطرق ودون توقف. أخبرته كيف سيطر على كل تلك المشاعر. كيف أعطاها الأمان، الاحتواء، الثقة والوضوح.

رغم ذلك كان هناك شيئًا بداخلها من الخوف ما يزال ينبض.
في كل مرة يلتقيها كان يلاحظ في عينيها حيرة وسؤال يحارب للخروج. قال لها:

أخرجت سيجارة، بيدين ترتجف أشعلتها ونفثت من بين شفتيها المرتعشة دخانها. ثم أردفت قائلةً:


المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه

تويتر : https://twitter.com/shababeks_1

سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1

انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag

قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag

لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

Exit mobile version