الكاتب : محمد علي الشيخ .
لم يكن الأقدمون يهتمون كثيرا بالزمن . كانوا يؤرخون الأحداث بالكوارث. وأحسب أنهم أبعد رؤية ؛ كأنما الميلاد والموت = الحضور والغياب : خارج النسق المعرفي . لكننا هنا نؤرخ ، ليس لربط الزمن بالذاكرة ؛ بل لأن (الراحل) يكرر حضوره في كل حكايا الرواة ، والقصائد . تستدعيه المخيلة ؛ فتحدث (الصحاب) عنه حديث الساعة ؛ كأنما غادر مجلسك ولم يتلاشى ظله … ويخف وطأه على أرض براح . بعد رحيله غدوت أصدق كل شيء ، وحولت تذاكري لوجهة واحدة . كنت أريد لهذا الإيمان أن يمتحن … وأن لا يغافلني يقيني فيشرد عن فلك المسموح ؛ فأسائلك : لماذا هذا اليوم بالذات ، او ألحق بك وكل أهلنا الراحلون الذين نستبطئ قدومهم من كهوف الغيم والمنامات !!! لم يعد أمامي الكثير من الراحة المتاحة . لقد توسعت منافذ الحنين … وامتلأت قلوبنا بالثقوب … وتفتحت مخازن الذاكرة المنسية.
ودعتك ؛ فكان سؤالك اليتيم : أهي بلاد بعيدة !!! تنشط مخاوفك من الغربة …. وقراءتك البديهية للنص (الرحلي) كما عاشه الأولون يوم أن كانوا يطاردون الظل والأمان ، وقوام البدن من الطعام ، ويوغلون في (الحكي) على أطراف المواقد ، يستحضرون الذكرى وكرم الله ، ويؤجلون موتهم . بلغ أبي المائة أو تزيد . ننقص منها لندلل وهنه ، ونحني جرس عمره لحقول الإخضرار ؛ فيبتسم – أبي لا يضحك . ونزيد إمعانا في فضل طاعته … وتعزيز روح الرجاء في كرم الله ؛ فيهز رأسه كالعارف بموعد اللقاء الجالس على حافة الإنتظار . أبي : شيخ قبيلة ، تمرس بالمداولات والحجاج . يحفظ أخبار القبيلة وأسماء أبنائها وبناتها . لم يفاجأه خبر مرافقتي حفيدته (رزان) المبتعثة للدراسة بأمريكا . كان يعي تماما بأنني منذ صغري سلكت طريقا يتقاطع مع المشيخة ، تتودد له كصيغة مساندة ، ولا تشركه في حمولة المنقولات وسلطة العرف . تتقبله كما الشاعر : لسانها الذي يشرع أبواب السماع لتاريخ مؤجل لم يكتب ، ومواسم عجاف وماطرة . لقد بارك حفيدته ، وملأ حقيبة سفري بالوصايا.
مات أبي . وأحسب أني لم أكن مبتهجا بالعيد . يزحف الحزن على أطراف فرحي ، مخبأ في ريح مخاتلة وغادرة ، تشاغب فضاءات مشاعري كلما همت بالتحليق . شيء ما أدركني ، وأعاق ابتهاجي وأنا متحفز لحضن الصباح والتلذذ بالنظر في وجوه الرفاق الذين مانسوا رموز أوطانهم. يستدرجون سوالف القوم ؛ وكأنهم يستذكرون محفوظات من كتاب النصوص: عيدكم مبارك ، من العائدين والفائزين ، للناس عيد ولي عيدان في العيد – إذا رأيتك يابن السادة الصيد ، إذا هم عيدوا عيدين في سنة – كانت بوجهك لي أيام تعييد . كنت تخيلني أبي ب(بشتك) الذي لاتفرده إلا يوم عيدك ؛ كأنما تؤجل أفراحك كلها لهذا اليوم ، وتتمظهر حكمة تشريعه في صنيعك.
لا أدري لماذا ألح (أبي) في الحضور هذا اليوم ، وقد كنت أخيله منشغلا باستقبال الوافدين وذوي القربى . هناك أمور لايكشف عنها الغيب دفعة واحدة لثقل حمولتها وإمعانها في البؤس . لقد كنا نتفنس حسه ، ونكبر في ظله الممدود الذي زامن وطنه من البداية الثالثة : قبل أن نحيل الصحاري الظامئة إلى دانة الدنيا وقبلتها … ونزينها من الأعماق إلى عنان السماء . لقد مات أبي في الثالث من شوال سنة ١٤٣٢ هجري – الموافق الثاني من سبتمبر سنة 2011 ميلادي.
( يتبع )
رابط الجزء الأول ؛ https://shababeks.com/2020/04/17/in-6/
رابط الجزء الثاني ؛ https://shababeks.com/2020/05/04/ap/
رابط الجزء الثالث ؛ https://shababeks.com/2020/05/10/zi-4/
رابط الجزء الرابع ؛ https://shababeks.com/2020/05/14/vn/
رابط الجزء الخامس ؛ https://shababeks.com/2020/05/27/dx-6/
رابط الجزء السادس ؛ https://shababeks.com/2020/06/03/wb-3/
رابط الجزء السابع ؛ https://shababeks.com/2020/06/15/yv-9/
رابط الجزء الثامن ؛ https://shababeks.com/2020/06/19/xz-3/
رابط الجزء التاسع ؛ https://shababeks.com/2020/06/28/zo-5/
رابط الجزء العاشر ؛ https://shababeks.com/2020/07/05/ne-4/
رابط الجزء الحادي عشر ؛ https://shababeks.com/2020/07/14/zi-5
رابط الجزء الثاني عشر ؛ https://shababeks.com/2020/07/25/vt-10/
رابط الجزء الثالث عشر ؛ https://shababeks.com/2020/08/06/sk-12/
رابط الجزء الرابع عشر ؛ https://shababeks.com/2020/08/15/xg/
رابط الجزء الخامس عشر ؛ https://shababeks.com/2020/08/26/ah-3/
رابط الجزء السادس عشر ؛ https://shababeks.com/2020/09/08/xy-4
رابط الجزء السابع عشر ؛ https://shababeks.com/2020/09/17/ix-21/
رابط الجزء الثامن عشر ؛ https://shababeks.com/2020/10/08/xs-5/
رابط الجزء التاسع عشر ؛ https://shababeks.com/2020/10/21/gd-26/
رابط الجزء العشرون ؛ https://shababeks.com/2020/11/07/di-14/
رابط الجزء الواحد والعشرون؛ https://shababeks.com/2020/11/23/xv-3/
رابط الجزء الثاني والعشرون؛ https://shababeks.com/2020/12/12/gj-6/
رابط الجزء الثالث والعشرون ؛ https://shababeks.com/2021/01/02/jl-6/
رابط الجزء الرابع والعشرون؛ https://shababeks.com/2021/01/19/fb-16/
رابط الجزء الخامس والعشرون؛ https://shababeks.com/2021/02/04/jo-23/
رابط الجزء السادس والعشرون؛ https://shababeks.com/2021/02/19/qk-3/
رابط الجزء السابع والعشرون؛ https://shababeks.com/2021/03/07/um-6/
رابط الجزء الثامن والعشرون ؛ https://shababeks.com/2021/03/21/zl-2/
رابط الجزء التاسع والعشرون ؛ https://shababeks.com/2021/04/25/yn-22/
رابط الجزء الثلاثون ؛ https://shababeks.com/2021/08/03/hm-20/
رابط الجزء الواحد والثلاثون ؛ https://shababeks.com/2021/08/18/jw-25/
رابط الجزء 32 ؛ https://shababeks.com/2021/09/02/ul-9/
_______________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : Tweets by shababeks_1
سناب شات : https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

