الكاتبة : شوق محمد
سألني أحدهُم عن مفهومي للعُمق في الأشياء فوجدتُ في السؤال عُمقاً دفعني أن أكتب بِلا هواده وكأن سؤاله اليدَ التي نكأت الجُرح ودفعت الأبكم ليصرُخ ، خصوصاً أن فصول حياتي بأكملها تدورُ عن مَدى عُمقِ الأمور والشعور والغياب والحضور فكُلما كان الشيءُ عميقاً كُلما لازمني أكثر .
الأشياء السطحية أبلغُ قاعها بمنتهى السهولة ويبلغني منها الملل بشكلٍ أسرع.. نعم أنا من هذا النوع من البشر ، النوع المُسهب في تفكيره اللامتناهي التشعُّب ، تأتيني الفكرة كُتلةً واحدة ولا أنفك من تفتيتها وتجزأتها إلى أفكاراً أخرى مُتناهية الصغَر والدقة ، يلفتُني الحرف المُهمل في الكلمة المكتوبة على هامشِ الصفحة و البحة الخافته التي شذّت عن وتيرة الصوت رغم محاولات صاحبها أن يُخفيها بِشدة والخطوط الرفيعة جداً في وجه أحدهم والقصص المُحتمله التي ارسمها مِنها ، أفكر في شأن الذرة الصغيرة جداً في حفنة الإسمنت إذا ماكانت عائدةً لرُفات ملكٍ أو خادِم أو حيواناً إنقرض بسبب كارثةٍ بيئية ، أحزنُ جداً لإنحناء نخلة ألقيتُ عليها السلامَ يوماً ما ، أفكر ملياً في البريق الذي في عينيّ الأطفال إذا كان قادماً معهم من الجنة أو أنه بريق الحياة التي نُفثت فيهم للتو ، وأحزن جداً لصوت عصفور يُغرّد وحيداً هاجِراً لسربه.
لو كان للفلسفة إسماً عربياً لكانَ ( العُمق ) العُمق في التخيّل العمق في التحليل والتفصيل ..العمق في الشرح والتعديل، هو بإختصار إستخلاص الأفكار من الأفكار فالفلسفة تدور حول التجزئة والتفنن والتلذذ فيها ، الإنسان العادي إذا رأى على سبيل المثال لوحة أو نهراً أو جدولاً بادرَ بوصفها بأساميها ولو كان فيها شيئاً من الجمَال لألحقها بهذا الوصف ، لكن الفيلسوف بطبيعة حاله يحاول أن يبتكر أبجديات جديدة ليصف بها الأشياء فيصف الدقائق فيها بمنتهى الرقة و الجمال وهنا بالذات تكمن فكرته في كيفية فهمه لكل شيء من خِلال التفصيل والتجميل وهذه هي الزخارف التي تُضيف للأفكارِ جمالاً ..
إن الجميع على حدٍ سواء يستطيعوا أن يبلغوا سطح فكرةٍ مـآ ، لكن الفلاسفة وحدهم يصِلوا إلى مُنتهى عُمقها وفي هذا العمق فقط .. خُلاصة كُل شيء ..

