الكاتب : عبدالله بن عبيد اليوبي.
منذ أن اكتشف الإنسان أن في كل خلية من جسده كتابًا خفيًا يُسمى الجينوم، عاد السؤال القديم بثوبٍ جديد: من الذي يقود الآخر؟ أهو الإنسان الذي يختار طريقه، أم أن جيناته رسمت الطريق قبل أن يخطو أولى خطواته؟ وهل نحن أصحاب قراراتنا حقًا، أم أننا نعيد تمثيل نصٍ كُتب في أعماق خلايانا منذ اللحظة الأولى؟
لا شك أن الجينات تمنح الإنسان بدايةً، لكنها لا تمنحه نهاية. فهي ترسم ملامح الجسد، وقد تهيئ بعض الميول والاستعدادات، لكنها لا تكتب السيرة كاملة. إنها أشبه ببذور تحمل إمكاناتٍ متعددة، أما الثمرة فتتشكل أيضًا بالتربية، والبيئة، والتجربة، والإرادة، والوعي. فليس كل من ورث ميلًا صار أسيرًا له، وليس كل من وُلد بموهبة بلغ بها القمة.
ولو كانت الجينات تحكم الإنسان حكمًا مطلقًا، لما كان للضمير معنى، ولا للمسؤولية قيمة، ولا للثواب والعقاب مبرر. ولما رأينا إنسانًا يقاوم غضبه وهو سريع الانفعال، أو يهزم خوفه وهو ميال إلى القلق، أو يتجاوز ظروفًا ورثها ليصنع لنفسه حياةً لم تكن مكتوبة في بداياته. إن أعظم ما يميز الإنسان أنه قادر على مراجعة نفسه، وهذه القدرة وحدها تكشف أن في داخله شيئًا أوسع من مجرد الشفرة الوراثية.
ومع ذلك، سيكون من السذاجة أن ننكر أثر الجينات. فهي ليست أصواتًا صامتة، بل قوى تؤثر في الجسد والعقل والنفس بدرجات متفاوتة. لكنها تؤثر ولا تُكره، وتدفع ولا تُجبر، وتفتح احتمالات ولا تفرض مصيرًا. إنها تهمس، لكنها لا تصدر القرار الأخير.
وربما كان الإنسان أشبه بربانٍ يقود سفينةً لم يختر شكلها ولا حجمها ولا اتجاه الرياح التي تواجهها، لكنه يظل مسؤولًا عن كيفية الإبحار بها. فالجينات هي السفينة، والظروف هي الرياح، أما الدفة فهي الوعي والإرادة. ومن يخلط بين هذه الثلاثة يظن أن الريح هي التي تختار الميناء.
ومن المنظور الإيماني، خلق الله الإنسان بطبيعةٍ وصفاتٍ وقدراتٍ مختلفة، وجعل لكل إنسان ابتلاءه الخاص، لكنه منحه في الوقت نفسه العقل والإرادة والاختيار، وبهما تقوم المسؤولية. فالجينات جزءٌ من القدر، لكنها ليست القدر كله. إنها تصف ما قد يكون، لا ما يجب أن يكون. ولذلك لا يُحاسَب الإنسان على ما وُلد به، وإنما على ما صنع بما وُلد به.
ولعل الحكمة الأعمق أن السؤال ليس: هل الجينات تقود الإنسان؟ بل: إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يسمو فوق ما ورثه؟ فالحياة ليست صراعًا بين الإنسان وجيناته، بل هي رحلةٌ يحاول فيها أن يحول ما ورثه إلى ما يختاره. وفي هذه المسافة، بين الموروث والمختار، تتجلى حقيقة الإنسان، ويولد تاريخه الذي لا تكتبه الجينات وحدها، بل تكتبه أيضًا الإرادة التي أودعها الله فيه.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

