الكاتب: د. عائض فهد القحطاني.
كنت أجلس في إحدى ردهات الفنادق الجميلة بمدينة الخبر، فوجدت جريدة ورقية، تناولتها وتلمست صفحاتها، فأيقظت في داخلي ذكرياتي القديمة، فكتبت:
ليست الذكريات مجرد صورٍ قديمة احتفظت بها الذاكرة، ولا أحداثٍ عبرت في حياتنا ثم طواها الزمن؛ إنها مشاعر مؤجلة، وأصوات غابت وبقي صداها، وأماكن غادرناها لكنها ما زالت تسكن شيئًا فينا.
فهناك لحظات تنتهي في الواقع، لكنها تظل حاضرة في أعماقنا، كأن الزمن لم يستطع أن ينتزع منها قدرتها على التأثير في أرواحنا. فالذكريات الجميلة لا تعود إلينا دائمًا لأننا نريد استحضارها، بل قد تأتي دون موعد، حين توقظ فينا رائحةٌ عابرة، أو أغنية قديمة، أو صورة، أو كلمة تشبه حديثًا سمعناه ذات يوم.
عندها لا نستعيد الحدث وحده، بل نستعيد شيئًا من مشاعرنا التي عشناها فيه، فرحًا كان أو طمأنينةً أو حنانًا أو شعورًا بالانتماء نفتقده في حاضرنا.
فمتى تحضر الذكريات في مشاعرنا؟
للذكريات أوقاتٌ تختارها الذاكرة العاطفية، وإن لم تكن هذه الأوقات خاضعة لاختيارنا الواعي. فكثيرًا ما تحضر في لحظات الهدوء، حين تخف ضوضاء الحياة وينفرد الإنسان بذاته، فيجد نفسه يتنقل بين مشاهد الأمس، يستعيد وجوهًا أحبها، ومواقف أسعدته، وأيامًا كان لها في قلبه مكان خاص.
وقد تحضر في أوقات الحزن والوحدة، حين تبحث النفس عن مصدر للطمأنينة، فتستدعي لحظات شعرت فيها بالأمان أو القبول أو المحبة.
وربما عادت إلينا ذكرى جميلة في لحظة نجاح، فتذكرنا بمن شاركونا البدايات، أو في مناسبة عائلية تعيد إلى الذاكرة دفء اللقاءات القديمة، أو حين نمر بمكان ارتبط بمرحلة مهمة من حياتنا.
وللروائح والأصوات والموسيقى قدرة لافتة على استدعاء الذكريات، إذ قد ترتبط تجربة حسية بلحظة عاطفية سابقة، فيوقظها تكرار ذلك الإحساس. ولهذا قد تعيد إلينا رائحة عطرٍ شخصًا غائبًا، أو تعيدنا أغنية إلى رحلة قديمة، أو يجعلنا صوتٌ مألوف نشعر وكأننا عدنا سنوات إلى الوراء.
وهنا تتجلى إحدى خصائص الذاكرة الإنسانية؛ فهي لا تحفظ أحداث حياتنا فحسب، بل تحتفظ بروابط بين التجارب والمشاعر والأماكن والأشخاص، وقد تعيد تنشيطها عندما تتشابه الظروف أو الإشارات المحيطة بها.
فهل نحتفظ بالذكريات مؤقتًا أم إلى الأبد؟
نحن لا نحتفظ بكل ذكرياتنا بالدرجة نفسها من الوضوح، ولا تبقى جميع التفاصيل حاضرة في أذهاننا إلى الأبد. فبعض الأحداث يتلاشى من الذاكرة مع مرور الزمن، وبعضها يبقى واضحًا، بينما تستقر ذكريات أخرى في أعماقنا، لا نستحضرها يوميًا، لكنها تعود حين يلامس الحاضر شيئًا يشبهها.
وتؤدي الأهمية العاطفية دورًا مهمًا في ذلك، فاللحظات التي ارتبطت بحب عميق، أو فرح استثنائي، أو شعور قوي بالأمان، قد تترك أثرًا طويل الأمد.
ومع ذلك، فإن قوة الشعور لا تعني بالضرورة أن تفاصيل الحدث ستظل دقيقة، فالذاكرة ليست تسجيلًا حرفيًا للماضي، بل عملية يُعاد فيها بناء التجربة كلما استحضرناها.
ومن هنا يمكن القول إن الذكريات ليست دائمة الحضور بالضرورة، لكنها قد تكون دائمة الأثر. فقد ننسى تفاصيل يومٍ جميل، لكننا نحتفظ بالشعور الذي تركه فينا، وقد تغيب ملامح مرحلة من حياتنا، بينما يبقى ما علمتنا إياه حاضرًا في قراراتنا ونظرتنا إلى العالم.
إن الاحتفاظ بالذكريات لا يعني أن نعيش أسرى لها، بل أن نمنحها مكانها الطبيعي في حياتنا؛ نستعيدها حين تمنحنا الدفء، ونتعلم منها حين تحمل درسًا، ونسمح لها بالمرور حين تتحول إلى حزن يعطل حاضرنا.
ما المؤثرات التي تستدعي الذكريات في حينها؟
تتداخل مجموعة من العوامل النفسية والحسية والاجتماعية في استحضار الذكريات، ومن أبرزها:
أولًا: الحالة الشعورية.
حين نشعر بالفرح، قد نستعيد مواقف سعيدة تشبه حالتنا الراهنة، وحين نحزن قد تتجه الذاكرة إلى أشخاص أو أحداث تمنحنا المواساة، أو إلى تجارب مشابهة لحزننا الحالي.
ثانيًا: المثيرات الحسية.
رائحة عطر، أو نغمة موسيقية، أو مذاق طعام، أو مشهد مألوف؛ كلها إشارات قد ترتبط بتجارب سابقة، فتستدعيها بصورة تلقائية، أحيانًا بكل ما صاحبها من مشاعر.
ثالثًا: الأشخاص والأماكن.
هناك أماكن ما إن نزورها حتى تعود إلينا حكاياتها، ووجوهٌ تكفي رؤيتها لاستعادة سنوات من الألفة. فالأماكن والأشخاص ليسوا مجرد عناصر في الذاكرة، بل قد يكونون مفاتيح تفتح أبوابًا كاملة من تجاربنا الماضية.
رابعًا: التحولات الحياتية.
في مراحل الانتقال من عمر إلى آخر، أو عند تغيير العمل، أو مغادرة مكان اعتدناه، أو استقبال مناسبة تتكرر كل عام، نميل إلى مراجعة ماضينا ومقارنة ما كنا عليه بما أصبحنا عليه.
خامسًا: الحاجة النفسية.
قد نستحضر الذكريات بحثًا عن الأمان، أو استعادةً للشعور بالانتماء، أو رغبةً في الاقتراب معنويًا ممن نحب. وأحيانًا نستدعيها لأن الحاضر يفتقد شيئًا وجدناه في الماضي؛ فنحن لا نشتاق دائمًا إلى زمنٍ مضى، بل قد نشتاق إلى شعور عشناه فيه.
بين جمال الاستحضار وأسر الحنين
على الرغم من جمال الذكريات، فإن علاقتنا بها تحتاج إلى قدر من الوعي والاتزان. فاستحضار الماضي قد يمنحنا البهجة، ويعزز إحساسنا باستمرارية حياتنا، ويذكرنا بالنعم والعلاقات والتجارب التي أسهمت في تشكيل شخصياتنا. لكنه قد يتحول إلى عبء حين نقارن كل لحظة في حاضرنا بصورة مثالية عن الماضي، أو حين نكرر استعادة ما فقدناه حتى نعجز عن الاستمتاع بما بقي لدينا.
والحكمة ليست في أن نغلق أبواب الذاكرة، ولا في أن نبقيها مفتوحة طوال الوقت، بل في أن نعرف كيف نزورها دون أن نغادر حاضرنا. فالذكريات الجميلة تستحق أن تُحفظ، لكن الحياة تستحق أيضًا أن نصنع فيها ذكريات جديدة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه الماضي هو أن نحترم ما منحه لنا، وأن نتصالح مع ما أخذه منا، وأن ندرك أن بعض اللحظات لا تعود بصورتها الأولى، لكنها تظل قادرة على منحنا معنًى جديدًا كلما تذكرناها.
أخيرًا:
للأمس عطرٌ لا يعرف الغياب، لأن بعض اللحظات تترك فينا أثرًا يتجاوز حدود الزمن. قد تغيب الوجوه، وتتغير الأماكن، وتتبدل تفاصيل الحياة، لكن ذكرى صادقة قد تعيد إلى القلب شيئًا من دفئه القديم.
ومع ذلك، فإن أجمل الذكريات ليست تلك التي تجعلنا نتمنى لو أن الزمن توقف عندها، بل تلك التي تمنحنا امتنانًا لما عشناه، وقوةً لما نعيشه، وأملًا فيما ينتظرنا. فالذاكرة الجميلة ليست بيتًا نهرب إليه من الحاضر، بل نافذة نطل منها على ماضينا بمحبة، ثم نعود إلى يومنا ونحن أكثر امتنانًا للحياة.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

