Site icon مجلة شبابيك العالمية

نحسن الظن بالناس، لكن لا نسلّم لهم مفاتيح سلامنا الداخلي.

الكاتبة : أنيسة مجاهد.

أحيانًا أستغرب من بعض العلاقات البشرية؛ نحسن الظن بأشخاص، ونقترب منهم بنية صافية، ثم نجد أنهم يتعاملون معنا بحذر شديد، وكأن بينهم وبيننا أمرًا لا نعرفه.

وهنا يبدأ السؤال:
هل يجب أن نحكم عليهم؟
هل هم سيئون؟
هل نحن أخطأنا في فهمهم؟
أم أن العلاقات بين البشر أعقد من أن تُفسَّر بكلمة واحدة؟

ربما أول ما علينا أن نتعلمه هو ألا نقسّم الناس سريعًا إلى جيد وسيئ.

نحن لا نعرف النوايا، ولا نعرف كل ما يدور داخل الإنسان، وحتى عندما نشعر بشيء تجاه شخص ما، لا ينبغي أن ننجرف وراء الشعور وكأنه حقيقة كاملة.

قد نشعر بالقرب من شخص لا يناسبنا.
وقد نشعر بالحذر من شخص لم يُسئ إلينا.
وقد نرتاح لإنسان ثم تكشف الأيام جانبًا لم نكن نراه.

لذلك فالمشاعر إشارات، وليست دائمًا أحكامًا نهائية.

العلاقات أيضًا لا تتشكل بالمشاعر وحدها.
فالناس يختلفون في درجة الوعي، وطريقة التفكير، والمعرفة، والثقافة، والتربية، والظروف الاجتماعية، وطريقة فهمهم للحياة.

ولهذا قد يتآلف شخصان وجدانيًا، لكنهما لا يستطيعان العيش في مساحة واحدة من التفكير.

وقد يتفق شخصان فكريًا، لكنهما لا يشعران بالقرب من بعضهما.

وقد تجمع المصلحة بين أشخاص لا تجمعهم الصداقة أصلًا.

فليس كل من نتعامل معه يجب أن يكون قريبًا، وليس كل من نختلف معه يجب أن يكون عدوًا.

كثير من العلاقات البشرية تقوم ببساطة على الحاجة المتبادلة والمنفعة المشروعة؛ هذا يملك معرفة، وذاك يملك خبرة، وثالث يفتح فرصة، ورابع يقدم دعمًا أو فكرة.

وهذه ليست علاقة ناقصة بالضرورة.

المشكلة تبدأ عندما نطالب كل علاقة بأن تكون أعمق مما تحتمل.

فلماذا نبقي بعض الأشخاص قريبين منا إذا كنا لا نستطيع فهمهم، ولا يستطيعون فهمنا؟

أحيانًا لا نحتاج إلى إنهاء العلاقة، بل إلى تغيير مكانها في حياتنا.

هناك من يناسبه أن يكون صديقًا.
وهناك من يكفي أن يكون زميلًا.
وهناك من نتعامل معه في حدود العمل والمصلحة.
وهناك من يكون احترامه من بعيد أفضل للجميع.

وضع الحدود لا يعني أننا أسأنا الظن بأحد.

بل يعني أننا أدركنا أن لكل إنسان مساحة تناسب طبيعة العلاقة بيننا.

نحسن الظن، لكننا لا نغلق أعيننا عن الأفعال.

نسامح، لكننا لا نمنح الإذن بتكرار الإساءة.

نحترم الآخرين، لكننا لا نجبر أنفسنا على قرب لا يمنحنا السلام.

ولا نستطيع أيضًا إجبار أحد على محبتنا أو الثقة بنا أو معاملتنا بالطريقة التي نريدها.

لكل إنسان عالمه الداخلي، وخبراته، ومخاوفه، وأحكامه، وربما جراحه التي لا نعرف عنها شيئًا.

وهنا تصبح الحرية في العلاقات شكلًا من أشكال النضج:

أن أسمح لك أن تكون كما أنت،
وأسمح لنفسي كذلك أن أحدد المسافة التي تناسبني معك.

وفي الحياة أشخاص تهيأت الظروف للقائهم في أوقات محددة، وقد يكون لبعض هذه اللقاءات منفعة أو درس أو باب خير لا ندركه إلا بعد زمن.

نحن كمؤمنين نؤمن بأن الأمور تجري بتقدير الله، لكننا لا نستطيع أن نجزم لماذا جاء شخص بعينه إلى حياتنا أو لماذا ابتعد؛ فقد نعرف بعض الحكمة، وقد تبقى أشياء كثيرة لا نعلمها.

لذلك لا ينبغي أن ننشغل دائمًا بالسؤال:

لماذا جاء؟
ولماذا ذهب؟

ربما السؤال الأهم:

ماذا تعلمت من وجوده؟
وما الحد الذي يجب أن أضعه بعد معرفتي به؟

العلاقات ليست امتلاكًا، وليست إجبارًا، وليست امتحانًا مستمرًا لإثبات محبتنا.

أحيانًا يكون أقصى ما نستطيع تقديمه لإنسان هو الاحترام.

وأحيانًا يكون أجمل ما نقدمه لأنفسنا هو المسافة.

فأحسنوا الظن بالناس ما استطعتم، ولا تجعلوا الشك هو الأصل في علاقاتكم، لكن لا تجعلوا حسن الظن سببًا لإلغاء الوعي.

افتحوا قلوبكم للخير،
لكن لا تسلّموا لأحد مفاتيح سلامكم الداخلي.

فالإنسان الذي يعرف حدوده لا يكره الآخرين،
بل يعرف فقط أين يضع كل شخص في حياته.


المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه

تويتر : https://twitter.com/shababeks_1

سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1

انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag

قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag

لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

Exit mobile version