الكاتب : عبدالله بن عبيد اليوبي.
ليست كل العلاقات تبدأ من لقاء، وبعض اللقاءات لا تبدأ من الأشخاص أصلًا، بل من فكرة.
قد نجلس أمام إنسان لا نعرف عنه شيئًا، ثم يقول جملة واحدة تجعلنا نلتفت إليه بطريقة مختلفة؛ لا لأنها جميلة، بل لأنها لامست في داخلنا سؤالًا قديمًا، أو فتحت نافذة لم نكن نعرف أنها مغلقة.
نبدأ بالإعجاب بالفكرة، ثم ننتبه إلى العقل الذي أنتجها.
نصغي أكثر، ونسأل أكثر، ونكتشف أن ما يجذبنا إلى هذا الإنسان ليس اتفاقه معنا، بل ربما قدرته على الاختلاف معنا دون أن يهدم المسافة التي تسمح لنا بالاقتراب منه.
فالعقول لا تتعارف دائمًا بالاتفاق؛ أحيانًا يكون الاختلاف أول أشكال التعارف.
قد يقول الآخر شيئًا يربك ترتيب أفكارنا، ويجعلنا نرى المسألة من جهة لم نقف عندها من قبل. وعوضًا عن أن نشعر بأن رأينا مهدد، نجد أنفسنا نتساءل:
كيف يرى الأشياء؟
ومن أي نافذة ينظر إلى العالم؟
ومن هنا قد تبدأ الألفة.
لا نعرف متى خرج الحوار من حدود الفكرة إلى حدود الإنسان، ومتى تحولت الرغبة في معرفة رأيه إلى رغبة في معرفة تفاصيله، وما يسعده، وما يؤلمه.
تلك التحولات لا تعلن عن نفسها، بل تأتي هادئة، مثل الأشياء العميقة التي تحدث في حياتنا دون ضجيج.
فالإعجاب بالعقل أحد أكثر أشكال الانجذاب هدوءًا؛ نظن أننا مأخوذون بفكرة، ثم نكتشف بعد زمن أننا أصبحنا مأخوذين بصاحبها.
فالإنسان يكشف نفسه من خلال أفكاره أكثر مما يتصور؛ في اختياراته، واعتراضاته، وطريقة دفاعه عن رأيه، وحتى في صمته أمام بعض الأسئلة، تظهر أجزاء من روحه لم يكن يقصد إظهارها.
وربما لهذا تكون العلاقات التي تبدأ من الفكر أكثر عمقًا؛ لأننا لا نبدأ من الصورة ثم نحاول الوصول إلى الداخل، بل نبدأ من الداخل.
نعرف عقل الإنسان قبل تفاصيل حياته، ونقترب من طريقته في رؤية العالم قبل أن نقترب من عالمه الشخصي.
ثم يصبح العقل الذي كنا ننتظر أفكاره إنسانًا ننتظر حضوره، والصوت الذي كان يعنينا لأنه يحمل رأيًا مختلفًا يصبح عزيزًا علينا حتى حين لا يقول شيئًا.
هنا تتجاوز الألفة حدود الفكر.
فالعقل فتح الباب فقط، أما الذي عبر منه لاحقًا فكان شيئًا أكثر إنسانية.
قد نسميه صداقة، أو مودة، وقد يمضي أبعد من ذلك إلى مساحة لا تحتاج دائمًا إلى اسم.
هناك أشخاص نادرون يدخلون حياتنا من أضيق الأبواب وأعمقها: من باب الفكرة.
نلتقي بهم أول مرة في سؤال، ثم نجدهم بعد زمن في تفاصيل أيامنا. نعجب بالطريقة التي يفكرون بها، ثم نكتشف أننا أحببنا الطريقة التي يكونون بها.
وربما كانت أجمل العلاقات تلك التي لا نستطيع تحديد اللحظة التي بدأت فيها.
نعرف فقط أن هناك حوارًا كان في البداية بين عقلين…
ثم، في مكان ما بين سؤال وجواب، بدأت الألفة.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

