الكاتبة : نجاح العبدلي.
التعافي ليس أن يلتئم الجرح.
هناك جروح لا تنزف.
ومع ذلك تستنزف العمر كله.
جروح لا يراها أحد لأن أصحابها تعلموا كيف يبتسمون فوقها وكيف يمضون في حياتهم وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن الحقيقة أن بعض الألم لا يسكن الجسد حتى يبرأ منه الجسد بل يسكن الذاكرة ويعيد تعريف الأشياء من حولنا.
التعافي ليس أن تنسى من آذاك.
ولا أن تستيقظ ذات صباح فلا تشعر بشيء.
ولا أن تعود كما كنت قبل أن ينكسر فيك شيء.
التعافي أعمق من ذلك بكثير.
التعافي أن تتوقف عن انتظار الاعتذار من الشخص الذي جرحك.
فبعض الناس لا يملكون شجاعة مواجهة أنفسهم حتى ننتظر منهم شجاعة مواجهة ما فعلوه بنا.
أن تدرك أن انتظار اعترافهم بخطئهم قد يكون جرحًا جديدًا تفتحه كل صباح بيدك.
تنتظر أن يقولوا: أخطأنا.
أن يقولوا: ظلمناك.
أن يقولوا: لم تكن تستحق ما فعلناه.
ثم تمضي السنوات ولا يقولون شيئًا.
وهنا يأتي السؤال الأصعب:
إلى متى ستجعل شفاءك معلقًا على وعي شخص آخر؟
أنت لا تستطيع أن تجعل إنسانًا يرى الألم الذي تسبب فيه إن كان قد اختار أن يعيش أعمى عنه.
ولا تستطيع أن تنتزع من قلبه ندمًا لم يولد فيه.
ولا تستطيع أن تعيد الزمن لتمنع الحادثة من الوقوع.
لكن تستطيع أن تفعل شيئًا أعظم.
أن تنقذ ما تبقى منك.
فليس من العدل أن يرتكب الآخرون خطأهم مرة واحدة ثم تقضي أنت عمرك في معاقبة نفسك عليه.
لقد آذاك أحدهم ثم رحل.
فلا تسمح له أن يستأجر بقية عمرك داخل رأسك.
لا تمنحه سنوات جديدة من حياتك لمجرد أنه أخذ منك لحظة.
لا تجعل غيابه حضورًا دائمًا.
ولا تجعل خيانته تعريفًا لكل البشر.
ولا تجعل قسوته سببًا لتصبح قاسيًا على نفسك.
فالجرح حين يطول بقاؤه يتحول أحيانًا من حادثة وقعت لك إلى هوية تعيش بها.
وهنا تكمن المأساة.
أن يتوقف الإنسان عن القول:
لقد جُرحت.
ويبدأ في القول:
أنا شخص مكسور.
والفرق بين الجملتين هو كل شيء.
الأولى تصف ما حدث لك.
أما الثانية فتختصر وجودك كله في ما حدث لك.
وأنت أكبر من جرحك.
أكبر من الشخص الذي خانك.
أكبر من الذي تخلى عنك.
أكبر من الذي ظلمك.
وأكبر من تلك اللحظة التي ظننت فيها أن حياتك انتهت.
ربما لم تكن تلك النهاية.
ربما كانت اللحظة التي بدأ فيها شيء آخر فيك.
شيء أكثر وعيًا.
أكثر بصيرة.
أشد قدرة على التمييز بين من يستحق قلبك ومن يستحق أن يبقى خلف باب مغلق.
فالتعافي الحقيقي لا يعيدك إلى الإنسان الذي كنت عليه قبل الألم.
إنه يصنع منك إنسانًا لم تكن تعرف أنك قادر على أن تكونه.
قد تصبح أقل اندفاعًا في منح ثقتك.
لكن أكثر صدقًا حين تمنحها.
قد تصبح أكثر حذرًا.
لكن ليس أكثر قسوة.
قد تتعلم أن الحب لا يعني أن تلغي حدودك.
وأن التسامح لا يعني أن تعيد الأشخاص إلى الأماكن التي كسروا فيها شيئًا منك.
فالتسامح ليس دعوة للجلاد كي يعود إلى مكان الجرح.
التسامح أحيانًا أن تقول:
لن أحمل كراهيتك بعد اليوم لأنني تعبت من حملك.
ثم تترك الحساب لله.
وتلتفت إلى نفسك.
تجمع ما تبعثر منك بهدوء.
تتعلم كيف تنام دون أن تعيد المحادثة القديمة في رأسك.
كيف تمر من المكان دون أن يستنزفك تاريخه.
كيف تسمع الاسم دون أن يرتجف قلبك.
كيف تتذكر دون أن تعود إلى الألم.
حتى يأتي يوم تكتشف فيه شيئًا غريبًا:
أنك لم تعد تنتظر شيئًا منهم.
لا اعتذارًا.
ولا تفسيرًا.
ولا ندمًا.
ولا عودة.
وهنا تعرف أنك شُفيت.
ليس لأنهم أصلحوا ما أفسدوه.
بل لأنك أدركت أن صلاحك لم يعد مشروطًا بإصلاحهم.
وفي أعمق مراحل التعافي لا تعود تسأل:
لماذا فعلوا بي هذا؟
بل تسأل:
ماذا سأفعل أنا بما حدث لي؟
وهذا هو السؤال الذي يغيّر الحياة.
فالألم قد يكون بابًا مغلقًا على الماضي
وقد يكون نافذة تُطل منها على نفسك للمرة الأولى.
قد تدخل منه إلى الحزن
وقد تخرج منه أكثر نضجًا.
وقد تكتشف بعد سنوات أن الشيء الذي ظننته كسرًا كان في الحقيقة إعادة تشكيل.
وأن الله لم يكن يأخذ منك أشخاصًا فقط.
كان ينقذك من نسخة منك كانت تتشبث بهم أكثر مما تتشبث بنفسها.
لذلك لا تستعجل التعافي.
لا توبخ قلبك لأنه ما زال يتذكر.
لكن لا تجعل التذكر إقامة دائمة.
ابكِ إن احتجت.
ابتعد إن لزم.
تحدث.
اكتب.
صلِّ.
اصمت.
خذ وقتك.
ثم في يوم ما ستضع يدك على موضع الجرح ولن يؤلمك كما كان.
وستفهم أخيرًا أن الشفاء لم يكن أن يعود قلبك كما كان.
بل أن يصبح قلبك قادرًا على الحياة رغم ما حدث له.
وأن أجمل انتصار على من أوجعك ليس أن تراه نادمًا.
بل أن تصل إلى اليوم الذي لا يعود فيه ندمه يعني لك شيئًا.
حينها فقط…
يصبح ما حدث ماضيًا
بدل أن يكون سجنًا.
وتصبح أنت…
الناجي لا الجريح.
والحياة لا الحادثة.
والغد لا الأمس.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com


قرأت النص كاملًا واستمتعت جدًا بعمق المعنى وجمال التعبير. كلمات تلامس الشعور بهدوء، والأجمل أنها لا تتحدث عن تجاوز الألم فقط، بل عن النضج الذي يولد بعده. أسلوب مميز ورسالة تصل للقلب بكل صدق. استمري يا نجاح في النجاح ، فكتابتك تستحق أن تُقرأ يامبدعة 👏🏻🌿
محبتك: نسرين عثمان ❤️