الكاتبة : منى السويدان.
في زمنٍ بدأ الإنسان فيه يفقد شيئًا من إنسانيته، حدث أمر يستحق التأمل: صرنا نبحث عن أكثر المشاعر إنسانية عند كائنات لم تُسمَّ يومًا بشرًا.
ربما لهذا لم تعد علاقتنا بالحيوانات الأليفة مجرد حب لكائن لطيف يعيش معنا.
ربما نحن، دون أن ندرك، نضع في بيوتنا شاهدًا صغيرًا يذكّرنا بما كان ينبغي أن نكون عليه.
كائن لا يعرف معنى الخيانة، ولا يتقن التلاعب، ولا يستخدم قربك ليعرف نقاط ضعفك، ولا يحفظ أسرارك ليطعن بها كرامتك يومًا.
لا يعرف شيئًا عن علم النفس، لكنه يشعر بتغيّر صوتك. لا يعرف معنى الصدمة، لكنه يعرف أن يجلس بجانبك حين تنكسر. لا يعرف لغات الحب، لكنه حين يحبك؛ لا يجعلك تقضي الليل تتساءل إن كنت محبوبًا أم لا.
و الموجع حقاً : كيف استطاع الكائن الذي لا يملك عقل الإنسان أن يحتفظ بأشياء أضاعها الإنسان بعقله؟، نحن الذين اخترعنا الكلمات،
ثم استخدمناها للكذب. اخترعنا الوعود، ثم تعلمنا كيف ننقضها.
عرفنا معنى الأمان، ثم أصبح بعضنا أكثر من يزرع الخوف في قلب من ائتمنه.
تحدثنا طويلًا عن الحب، ثم جعلناه أحيانًا وسيلة امتلاك، وابتزاز، وهجر، وعقاب.
أما ذلك الكائن الصغير فلا يعرف كل هذه المصطلحات.
يعرف شيئًا واحدًا: أنك له.
وحين تكون له، لا يحتاج كل صباح أن يعيد حساب مصلحته في بقائك.
لهذا حين تحزن، يقترب.
لا يسألك إن كان حزنك منطقيًا.
لا يقول: «أنت تبالغ».
لا يخبرك أن هناك من يعاني أكثر منك.
لا يحوّل دمعتك إلى محكمة يناقش فيها استحقاقك للألم.
يجلس قربك فقط.
ربما يضع رأسه عليك، ربما يراقبك بعينين لا تعرفان ماذا تقولان،
لكنه يبقى.
وكأن الرحمة في أصلها لم تكن كلامًا أصلًا.
كانت بقاء.
وكأن أعظم تعريف للحب لم يكن: «سأفهم كل ما يحدث داخلك»،
بل: «حتى عندما لا أفهمك… لن أتركك وحيدًا في وجعك».
وهنا يصبح السؤال أكبر من الحيوانات والبشر:
متى فقد الإنسان هذه البساطة؟
متى أصبح يحتاج سببًا كي يرحم؟
ومصلحة كي يقترب؟
وضمانًا كي يخلص؟
ومقابلًا كي يعطي؟
متى تحول القلب من مكان للسكن إلى طاولة مفاوضات؟
ربما الحضارة علمتنا كيف نبني مدنًا شاهقة، لكنها لم تستطع أن تضمن أن نبقى رحماء.
علمتنا كيف نصل إلى إنسان في الطرف الآخر من الأرض خلال ثانية،
لكنها لم تعلمنا كيف نصل إلى قلب إنسان يجلس أمامنا.
صرنا أكثر اتصالًا، وأقل وصولًا.
أكثر كلامًا عن الوعي، وأقل انتباهًا لوجع بعضنا.
أكثر معرفة بالنفس، وأحيانًا أقل رحمة بالنفوس.
لهذا ربما حين يحتضن الإنسان حيوانه الأليف في نهاية يوم قاسٍ،
لا يكون هو وحده الذي يمنح الحيوان مأوى.
ربما الحيوان أيضًا يمنح الإنسان مأوى من الإنسان.
وهذه الفكرة وحدها مخيفة.
أن يصبح أكثر مكان نشعر فيه بالأمان هو المكان الذي لا توجد فيه لغة يمكن أن يُكذب علينا بها.
أن نطمئن إلى عينين لا تتكلمان، لأننا تعبنا من أفواه قالت «أحبك» ثم فعلت عكس الحب.
وأن نجد الوفاء عند كائن لم يقسم لنا يومًا أن يكون وفيًا.
لذلك لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو: هل أصبحت الحيوانات أكثر إنسانية من البشر؟
ماذا فعل الإنسان بإنسانيته، حتى أصبح يحتاج إلى حيوان ليتذكر كيف يبدو الحب حين لا يكون مؤذيًا؟
ربما لم تصبح الحيوانات أكثر إنسانية منا…
ربما نحن فقط أصبحنا أقل إنسانية مما خُلقنا لنكون.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

