الكاتبة : نجاح العبدلي.
ليست الذاكرة مجرد قدرةٍ على استحضار الماضي، وإنما هي مرآةٌ للأخلاق قبل أن تكون مستودعًا للأحداث. فالإنسان لا يتذكر كل شيء بالقدر نفسه، ولا ينسى كل شيء بالقدر نفسه، بل ينتقي من ذاكرته ما ينسجم مع قناعاته، ويُبقي ما يخدم مواقفه، ويُقصي ما يثقل ضميره. ولهذا فإن الذاكرة ليست دائمًا سجلًا محايدًا للوقائع، بل قد تتحول إلى أداةٍ يعيد بها الإنسان تشكيل الحقيقة وفق ما تمليه المصلحة أو الهوى.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي يستحق التأمل: هل ينسى الناس فعلًا جميل من أحسن إليهم، أم أنهم يختارون أن يتناسوه حين يصبح الاعتراف به عبئًا على مواقفهم؟
إن من أكثر الظواهر إيلامًا أن ترى إنسانًا أمضى سنواتٍ في الوفاء والعطاء، عرفه الناس بحسن الخلق وصدق الموقف، ثم تأتي لحظة خلاف أو اختبار، فإذا بذلك التاريخ الطويل يتراجع أمام رواية عابرة أو مصلحة طارئة. لا لأن الرجل تبدل، ولا لأن سيرته انقلبت، وإنما لأن النفوس أعادت ترتيب ذاكرتها بما يوافق موقفها الجديد.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية. فالمشكلة ليست في تغير العلاقات، فذلك من طبائع الحياة، وإنما في أن يتحول تغير العلاقة إلى مبررٍ لتغيير الحقيقة. فبدلًا من أن يقول الإنسان: لقد اختلفت معه، يبدأ في إعادة تفسير ماضيه كله. المعروف يصبح مصلحة، والوفاء يصبح ضعفًا، والحلم يصبح عجزًا، والسكوت يصبح خوفًا. وكأن الفضائل لا تبقى فضائل إلا ما دامت تخدم علاقتنا بصاحبها.
إن أخلاق الإنسان لا تظهر حين يحب، وإنما حين يختلف. فمن السهل أن تنصف من توافقه، لكن الامتحان الحقيقي أن تحفظ له فضله إذا خاصمك، وأن تعترف بحسناته وإن افترقتما في الرأي. ولهذا جاء الميزان القرآني دقيقًا في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. فالعدل الذي أمر الله به لا يتبدل بالمحبة، ولا يسقط بالخصومة، ولا يخضع لموازين الهوى.
ولعل أخطر ما تصنعه المصالح أنها لا تغيّر الأحكام فحسب، بل تغيّر الذاكرة نفسها. فالإنسان إذا احتاج إلى تبرير موقفه بدأ ينتقي من الماضي ما يؤيده، ويغفل عمدًا كل ما يناقضه. وقد لا يكذب، لكنه لا يقول الحقيقة كاملة. يحذف منها ما لا يخدمه، ويضخم منها ما يوافق هواه، حتى تخرج صورة جديدة لا تشبه الواقع إلا في بعض ملامحها.
ولذلك فإن كثيرًا من حملات التشويه لا تبدأ باختلاق الأكاذيب، وإنما تبدأ بإعادة تفسير الوقائع. فالموقف الذي كان يُمدح بالأمس يُذم اليوم، والصفة التي كانت فضيلة تصبح نقيصة، لا لأن معناها تغير، بل لأن موقع صاحبها من القلوب قد تغير. وهنا لا يُغتال الإنسان بالكلمات وحدها، بل يُغتال تاريخه أيضًا.
إن الذاكرة المنصفة ليست التي تحفظ المحاسن وتغفل الأخطاء، ولا التي تجمع الأخطاء وتنسى المحاسن، وإنما التي تعطي كل شيء قدره. فالإنصاف لا يعني العصمة، كما أن الخصومة لا تبيح الجحود. وما أعدل أولئك الذين إذا اختلفوا قالوا: بيننا وبين فلان خلاف، ولكننا لا ننكر فضله، ولا نمحو تاريخه، ولا نشهد عليه بغير حق. أولئك هم أصحاب الذاكرة الأخلاقية، لأنهم جعلوا الضمير حارسًا لذاكرتهم، لا أهواءهم.
إن الإنسان قد ينسى موقفًا عابرًا، لكن نسيان الفضل ليس ضعفًا في الذاكرة، بل ضعفًا في الأخلاق. فحين يُمحى المعروف من سجل الإنسان لأنه لم يعد يخدم مصلحةً أو علاقةً أو انتماءً، فإن الخلل لم يقع في العقل، وإنما وقع في الضمير.
وفي زمنٍ تتسارع فيه الأحكام، وتنتشر فيه الروايات قبل الحقائق، يصبح الحفاظ على ذاكرة عادلة نوعًا من الشجاعة. فليس كل ما يُقال يُصدق، وليس كل من تغيرت صورتُه في أعين الناس قد تغير في حقيقته. كثيرًا ما تكون الحقيقة ثابتة، لكن الأعين هي التي تبدلت.
ولعل الإنسان لا يترك بعده مالًا ولا جاهًا يدوم، وإنما يترك أثرًا في قلوب الناس. فمن الوفاء ألا نسمح لخصومة عابرة أن تمحو تاريخًا من الإحسان، ومن العدل ألا نختزل عمرًا كاملًا في موقف واحد، ومن التقوى أن يبقى ميزاننا واحدًا، سواء أحببنا أو كرهنا.
فذاكرة البشر لا تكون قصيرة دائمًا، لكنها تقصر حين تتدخل المصالح، وتضعف حين يقودها الهوى، وتستقيم حين يحكمها الضمير. ومن أراد أن يعرف معدن أخلاقه، فلينظر إلى ذاكرته: هل تحفظ للناس جميلهم بعد الخلاف، أم تعيد كتابة تاريخهم كلما تغيرت مصلحته؟
ذلك هو الامتحان الذي لا يراه الناس، لكنه عند الله، وعند الضمير، أعظم من كثيرٍ من الأقوال.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

