د. غادة ناجي طنطاوي. Ghadah_tantawi@
كثيرًا ما نسمع مقولة “البعيد عن العين بعيد عن القلب”. وأبتسم كلما سمعتها..!! لأنني أدرك أن القلب لا يرى كما ترى العين، ولا ينسى كما ينسى العقل. فالعين قد تغيب عنها الملامح، لكن القلب يحتفظ بها كما لو أنها غادرت للتو. يحفظ نظرةً نراها في المطر.. إبتسامة ضحكة صغيرة.. نبرة صوت نسمعه في الصمت.. نلمحه في وجوه العابرين، وأحيانًا ارتباكًا في اللقاء الأول.. رسالةً قديمة.. رائحة مرّت ذات مساء وما زالت تسكن الذاكرة. أيُّ منطقٍ هذا الذي يزعم أن المسافات تُطفئ الحب..!!
قد تبدو هذه العبارة صحيحة في بعض العلاقات التي بُنِيَت على الاعتياد أو المصالح العابرة. فهناك مشاعر يقتلها الزمن ويبددها البعد، حتى يصبح أصحابها مجرد أسماء مرت في ذاكرة الأيام. لكن الحب الحقيقي لا يخضع لهذه القاعدة.
يقول المتنبي؛
“وكيف أنسى وما في العين إلاكِ
أرنو إليكِ كمن يرنو إلى وَطَنٍ
لهُ بعيدٍ ويبكي خلْفَ شُبّاكِ”
فالقلب لا يقيس المسافات بالكيلومترات، ولا يحصي اللقاءات بعددها، وإنما يحتفظ بمن أحبهم في أكثر الأماكن أمانًا داخله. قد تغيب الوجوه عن العين، لكنها لا تغيب عن الخاطر، وقد تمر الأيام دون لقاء، بينما يعيش أصحابها في تفاصيلنا الصغيرة. لو كان البعد يقتل المشاعر، لما اشتقنا إلى من رحلوا، ولما خانتنا الدموع كلما مرَّ اسمٌ يشبه أسماءهم ولما بقيت بعض الأماكن موحشة لأن شخصًا واحدًا لم يعد يقف فيها..!! لأن الحب الصادق لا يعرف الجغرافيا.
الغياب لا يُنقص المحبة، بل يزيدها نقاءً. الحبيب الحقيقي لا يغيب… هو فقط يتوارى عن العين، ليظهر في القلب. تجده في فنجان القهوة الذي تشربه وحدك.. في الدعاء الذي تهمس به دون أن تشعر. وفي كل ليلة تؤجل فيها النوم، لأنك تعلم أن النوم يعني يومًا آخر من الغياب. هناك أشخاص غابوا عن أعيننا منذ سنوات، لكنهم ما زالوا يسكنون تفاصيلنا.. يشاركوننا قراراتنا وترافقنا ذكرياتهم كلما عبرنا الأماكن التي جمعتنا بهم. هؤلاء لا يهزمهم الغياب، لأنهم لم يسكنوا العين يومًا بل استوطنوا القلب. لهذا، أؤمن أن المقولة تحتاج إلى إعادة نظر.. بل ربما يكون العكس هو الأصدق.
كلما ابتعد من أحب.. اقترب أكثر، وكلما طال الغياب.. ازداد حضوره في داخلي، حتى أصبحت أشعر أن المسافة لم تعد بيني وبينه… بل بين عيني وقلبي. لهذا، لا أؤمن بالمقولة التي يرددها الجميع.
أما أنا فأقول: “البعيد عن العين… هو الأقرب إلى القلب، لأن العين قد تغمض أحيانًا، أما القلب فلا يغمض أبدًا عمّن أحب.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

