د. غادة ناجي طنطاوي. Ghadah_tantawi@
متى كبرنا وتغيّرت الحياة..؟؟ لا أحد يتذكر اللحظة الحقيقية التي كبر فيها. لا يوجد تاريخ محدد نعلّقه على الحائط ونقول: هنا انتهت طفولتنا. كل ما في الأمر أننا استيقظنا يومًا ما فوجدنا أن الأشياء التي كانت تفرحنا لم تعد تكفي، وأن الطرق التي كنا نركض فيها صارت مجرد شوارع نعبرها بصمت.
بالأمس… كنتُ طفلة، أكبر مخاوفي أن تسأل أمي عني أمام الأمهات.. بالأمس كانت جدتي تُخبز الكعك، ويمتلئ البيت برائحةٍ تشبه الأمان.. بالأمس كانت البيوت مفتوحة والقلوب أكثر اتساعًا من العمر نفسه. واليوم كبرنا وأصبحت الذكريات تؤلمنا، نمرّ على الأشياء القديمة بحذرٍ يشبه البكاء.
كبرنا عندما تحوّلت تفاصيل الحياة الصغيرة إلى حنينٍ ثقيل لا نستطيع لمسه..!! وأصبح العيد يمرّ سريعًا دون تلك الرجفة الجميلة في القلب. كبرنا عندما صار الوقت يسرق الناس من حولنا، وأصبحت اللقاءات القليلة تُسمّى ظروفًا..!!
كبرنا عندما بات الغياب عادة لا تُفزعنا كما كان، وصار الفرح علاجًا مؤقتًا لحزنٍ دائم. كبرنا عندما تعلمنا أن نُجيب بـ “بخير” بينما أرواحنا بالكاد تقف.. كبرنا حين أدركنا أن بعض الأشياء إذا رحلت لا يعود الإنسان بعدها كما كان أبدًا. لم تكبر أعمارنا فقط، بل كبرت الخسارات داخلنا أيضًا.
في الماضي، كانت الحياة بسيطة.. نحزن قليلًا ثم ننسى.. نبكي ثم نركض.. نغضب ثم نعود وكأن شيئًا لم يكن. أما الآن، فبعض الكلمات تبقى عالقة في الروح لسنوات.. كبرنا حين أدركنا أن الطمأنينة ليست أمرًا دائمًا.. وأن الذين وعدوا بالبقاء قد يرحلون فجأة، وأن بعض العلاقات تنتهي دون أسباب واضحة، فقط لأن القلوب تعبت من المقاومة.
ومع ذلك… رغم كل ما تغيّر، ما زالت هناك نسخة صغيرة منا تعيش في الداخل، طفلٌ قديم يفرح برائحة المطر، يطمئن لصوتٍ يحبه، ويحزن حين يتجاهله العالم. نسخة تحاول النجاة من قسوة الأيام، وتبحث وسط الزحام عن شعورٍ يشبه البيت.
لكن الحقيقة الوحيدة التي لا تتغير، أن الإنسان مهما تقدّم به العمر، يظل يفتش طوال حياته عن ذلك الشعور القديم…الشعور الذي كان ينام به مطمئنًا، دون خوفٍ من الغد، ودون أن يحمل قلبه كل هذا الثقل.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

