الكاتبة : منى السويدان.
ليست المعضلة في غياب الحقيقة…
بل في اعتياد الوعي على رؤيتها مُحرّفة،
حتى يغدو الزيف مألوفًا،
ويُستقبل الانحراف بوصفه صيغةً أخرى للمعنى.
لا يُطفئ المجتمع بصيرتك صراحةً،
بل يُعيد تشكيل علاقتك بالرؤية نفسها:
يُقنعك أن السؤال تهديد،
وأن البحث قلق،
وأن الطمأنينة لا تُنال إلا بالتسليم.
وهكذا، لا تُسلب منك العين…
بل تُروَّض.
تُدفع إلى الاتّباع لا الاكتشاف،
وإلى التصديق لا التفكّر،
حتى يتآكل فيك الدافع الأول:
دهشة المعنى.
ومع تراكم المألوف،
تنسحب المعاني الأصلية من الداخل،
لا بضجيج الفقد… بل بصمت الاستبدال،
فتُستعار القيم من الخارج،
وتُلبس النفس ما ليس منها،
دون أن تشعر بالانفصال.
هنا يبدأ الخلل لا بوصفه سلوكًا،
بل بوصفه انحرافًا في إدراك الجوهر:
فالاعتذار—في أصله—ليس قولًا، بل تحوّل.
وما لم يُحدث في الباطن انقلابًا،
فهو إعادة ترتيب للسطح،
لا مساسٌ بالجذر.
الندم الذي لا يُبدّل،
لا يتجاوز حدّ الشعور،
ولا يرتقي إلى فعل التوبة،
لأنه لم يُصِب موضع الخلل… بل لامس أثره فقط.
وفي ميزان المعنى،
لا تُقاس الأفعال ببلاغة التعبير عنها،
بل بعمق ما تُحدِثه من تحوّل:
نورًا يزداد… أو انطفاءً يمتد.
وحين يضعف حضور المعنى،
لا تختل اللغة فحسب،
بل يختلّ موضع الرؤية ذاته،
فتنقلب الحقائق لا في ذاتها… بل في تمثّلها:
الحب،
من كونه فعل ارتقاء،
يُعاد تعريفه كرغبة امتلاك.
السكينة،
من كونها سكونًا مؤسِّسًا،
تُختزل إلى انجذابٍ مؤقّت.
السعادة،
من امتداد الطمأنينة،
تُضغط في ومضة ضجيج.
واليقين بالله،
من مقامٍ يُعاش،
يُختزل إلى فكرةٍ تُجادَل.
الخيانة،
تُعاد صياغتها كاستجابة،
لا كخرقٍ للأمانة.
الظلم،
يُلبس تأويلًا،
حتى يفقد حدوده بين حقٍ وباطل.
الاعتذار،
يتحوّل إلى بنية لغوية،
تُخفي الفعل بدل أن تُصحّحه.
الرجولة،
تُختزل في صورة حضور،
منفصلة عن معنى المسؤولية.
والأنوثة،
تُسحب إلى تمثيلٍ بصري،
بعد أن كانت كينونةً ذات حضور.
بهذا لا تتبدّل الحقائق…
بل تتبدّل زاوية الوعي بها،
حتى يصبح الإنسان غريبًا عن معانيه،
مُحاطًا بمفرداتٍ يعرفها،
ويجهل حقيقتها.
غير أن في عمق الإنسان ما يقاوم هذا الانزلاق:
بقايا نورٍ أول،
لا يُعاد تعريفه،
ولا يخضع لكثرة التسمية.
ذاك الإدراك الخافت،
الذي يعرف—دون برهان—
أن تغيّر الأسماء
لا يطال جوهر الأشياء.
من هنا،
لا تكون الحرية خروجًا على الخارج،
بل عودة إلى الداخل.
أن تستعيد حقك في الرؤية،
لا كما صيغت لك،
بل كما تتجلّى لك.
أن تعود إلى المعنى قبل أن يُعاد بناؤه،
وإلى الإحساس قبل أن يُؤوَّل،
وإلى الحقيقة قبل أن تُصاغ.
فإذا أثقلتك كثرة التعريفات،
فلا تُضِف معنى جديدًا،
بل انزع الزائد.
عُد إلى الأصل…
حيث لا يبدأ الإدراك من الإنسان،
بل من الحق،
ولا ينتهي… إلا إليه.
وحين تستقيم الرؤية،
لا تحتاج الحقيقة إلى إثبات…
فهي تعود، ببساطة،
إلى اسمها الأول.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

