مجلة شبابيك العالمية.
يُجسّد مسجد الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- في منطقة جدة التاريخية أحد أبرز المعالم الأثرية التي تستقطب الزوار والسياح من مختلف الجنسيات، بوصفه محطة رئيسية ضمن المسارات الثقافية في المنطقة، حيث يتيح للزائر تجربة معرفية تمزج بين عمق التاريخ الإسلامي وثراء الأنشطة الثقافية المعاصرة.
ويُعد المسجد من أقدم مساجد مدينة جدة؛ إذ كشفت الدراسات والتنقيبات الأثرية أن جذوره تعود إلى القرن الأول الهجري، وتحديدًا سنة 33هـ الموافق 654م. وأكدت التحاليل العلمية لأعمدة من خشب الأبنوس عُثر عليها في منطقة المحراب هذا التأريخ، بما يعكس قِدم الموقع وارتباطه المبكر بتاريخ المدينة الديني والعمراني.
وأظهرت التنقيبات الأثرية التي نفذتها إدارة الآثار في جدة التاريخية أن مسجد عثمان بن عفان ظل مستخدمًا بشكل متواصل لأكثر من 1300 عام، محافظًا على طرازه المحلي التقليدي القائم على فناء مفتوح يتصل بقاعة صلاة مسقوفة، رغم ما شهده مخططه الداخلي من تعديلات عبر العصور. وفي القرن العشرين أُعيد بناء المسجد بالكامل مع الحفاظ على البقايا الأثرية تحت الهيكل الحديث.
وكشفت الحفريات في الموقع تعاقب طبقات تاريخية تمثل مراحل متعددة من العصور الإسلامية، بدءًا من العهدين الأموي والعباسي مرورًا بالعصر الفاطمي، وصولًا إلى العصرين الأيوبي والمملوكي؛ ما يجعل المسجد سجلًا معماريًا حيًا يوثق تطور العمارة الإسلامية عبر قرون متعاقبة.
كما كشفت أعمال التنقيب عن نظام مائي أثري متطور ظل مستخدمًا لأكثر من 800 عام، في دلالة على ما بلغته تقنيات البناء والهندسة في تلك الفترات. واستخدم البناؤون مواد بناء محلية مثل الحجر المرجاني والأخشاب، بما يعكس الطابع المعماري التقليدي لمدينة جدة الساحلية.
وبيّنت الدراسات أن المسجد مرّ بسبع مراحل معمارية متعاقبة جرى توثيقها رقميًا اعتمادًا على نتائج الحفريات. وعُثر داخل المحراب على ساريتين مثمّنتين من خشب الأبنوس النادر تعودان إلى القرنين الأول والثاني الهجريين. وأظهرت التحاليل المخبرية في المعهد الأثري الألماني ببرلين أن مصدر هذا الخشب يعود إلى جزيرة سيلان في المحيط الهندي، بما يعكس امتداد العلاقات التجارية والبحرية التي شهدتها جدة عبر تاريخها.
وتؤكد آلاف القطع الأثرية المكتشفة في الموقع، ومنها بقايا خزف صيني وأوانٍ مزججة تعود إلى قرون إسلامية مبكرة، أن المسجد يمثل شاهدًا حضاريًا يوثق تاريخ مدينة جدة من القرن السابع حتى القرن الحادي والعشرين الميلادي. كما يعكس المكانة التاريخية لجدة التي أمر الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بنقل الميناء الإسلامي من الشعيبة إليها، وجعلها ميناءً رئيسًا على ساحل البحر الأحمر ومحطة للحجاج والتجار.
وتشكّل المواقع الأثرية في جدة التاريخية اليوم جزءًا أصيلًا من التراث العمراني والثقافي في المملكة؛ إذ توثق معالمها المعمارية ونسيجها التاريخي مسيرة التفاعل الحضاري والاقتصادي والديني الذي شهدته المدينة عبر القرون، كما تعكس تنوعها المعماري والفني، لتغدو موردًا ثقافيًا ومعرفيًا يربط الزائر بتاريخ جدة وهويتها الحضارية.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

