الكاتبة : منى السويدان.
تحوّل حبّ الذات من وعيٍ ناضج إلى ذريعة مريحة، ومن فهمٍ عميق إلى شعارٍ مُستهلك يُردَّد بلا وعي. صار الهروب يُسمّى نضجًا، والبرود اتزانًا، والصمت العقابي حدودًا صحية، بينما هو في حقيقته انسحاب غير مُعلن وعجز عن المواجهة الصادقة.
وجاء مفهوم التجاوز والتخطي ليُساء فهمه هو الآخر.
صار يُردَّد وكأنه محو، وكأن الإنسان قادر على إلغاء الأثر بقرار عقلي. نعم، نتعلم، وننضج، ونتقدم، لكن الأثر يبقى، والعلامة تبقى، وما لم يُعترف به لا يُشفى. التجاوز الحقيقي ليس قفزًا فوق الجرح، بل وعيًا به، وتحملًا لآثاره دون إنكار.
حتى السؤال الصح لم يَسلم…
أصبح يُؤخذ إلى أدق التفاصيل، لا بحثًا عن الفهم، بل استعراضًا للتفكيك. كأن البساطة صارت تهمة، وكأن الوضوح نقص في الوعي. لم نعد نسأل لنعرف، بل لنتباهى بعمقٍ مصطنع، ففقد السؤال روحه، وفقد الجواب قيمته.
ومع هذا، امتلأ المشهد بمَن يكررون الكلام نفسه؛
مملّون، مزيفون، مدّعون الوعي والنضج. يرددون الرسائل ذاتها، بنفس الصياغة، وبنفس الأمثلة، حتى أدق التفاصيل، بلا تجربة حقيقية، ولا أثر صادق في السلوك. وعي محفوظ، لا مُعاش.
علم الطاقة أُفرغ من معناه، وتحول إلى مبالغة واستغلال. كل شيء ذبذبات، كل فشل طاقة منخفضة، وكل تهرّب من المسؤولية يُلقى على الكون لا على النفس، في سباق واضح نحو المال لا الفهم.
وعلم الفلك اختُزل إلى تجارة، يُتاجرون فيه بالخوف والطمأنينة دون علم، ودون عمق، ودون احترام لعقل الإنسان.
أما الصوفية وعلم الخيمياء، فقد شُوّها حتى فقدا جوهرهما. رموز تُردّد بلا تزكية، ومصطلحات بلا تهذيب نفس، وروحانيات بلا سلوك. نسخ ولصق بلا صمت، بلا مجاهدة، بلا عمل داخلي حقيقي.
ثم جاءت القوائم…
قوائم العلاقات الزوجية الناجحة، وكأن البشر نسخ متطابقة، وكأن الحب معادلة ثابتة. نُسيت الفروق، وغاب الفهم، وتجاهلنا أن لكل إنسان طبيعته، وتكوينه، وطريقته الخاصة في التعبير. كم من زوج وزوجة كرهوا بعضهم، لا لأن الحب انتهى، بل لأن أحدهم صار يسمع أكثر مما يعيش، ويطبق مصطلحات جاهزة على بشر حقيقيين.و طلاق و انفصال روحي تحت ما سمّي ( علاقة سامة ).
ودنّسنا الحب حين حوّلناه إلى علامات محفوظة:
“إذا كان يحبك، ستظهر عليه العلامات التالية”، وكأن القلوب تُدار بدليل استخدام موحّد، وكأن المشاعر قالب واحد لا يختلف.
و”حب نفسك أولًا”؟
أُسيء فهمها حتى تحولت إلى أنانية صريحة. صار كل شخص لا يرى إلا نفسه، ولا يفكر إلا في راحته، ولا يتعمق في المعنى الحقيقي لحب الذات. حب الذات لا يعني إلغاء الآخر، ولا الهروب من المسؤولية، ولا تقديم النفس على حساب كل شيء. حب الذات الحقيقي يبدأ بالمحاسبة، وبالوعي، وبالقدرة على العطاء دون فقدان الذات أو ابتلاع الآخر.
وهجرنا الأم والأب تحت ظل ما سُمّي جرح الوالدين، لا فهمًا ولا وعيًا، بل قطيعة مريحة سُمّيت شفاء. وانتهت صداقات عُمُر تحت مسميات براقة: “لم يعد يشبهني”، “انتهت رسالته”، “طاقته لم تعد تناسبني”، وكأن الوفاء عبء، والاستمرار ضعف، والاختلاف خطأ.
وهنا الصدمة…
أننا لم نضلّ لأننا لم نعرف، بل لأننا عرفنا كثيرًا دون أن نفهم. جمعنا المصطلحات، ورددنا المفاهيم، لكننا فقدنا الإنسان. ظننا أن الوعي يعني القطع، وأن النضج يعني القسوة، وأن حب الذات يعني النجاة الفردية مهما احترق الآخرون.
الوعي الحقيقي لا يعزلك، ولا يبرر هروبك، ولا يحوّلك إلى نسخة باردة تختبئ خلف الكلمات.
الوعي الحقيقي يجعلك أعمق، أرحم، أصدق، وأكثر التزامًا بالإنسان لا بالمصطلح.
وإن لم يُنتج وعيك فهمًا، واحتواءً، ومسؤولية…
فهو ليس وعيًا،
بل هروب أنيق، مكرر، ومغلف بلغة جميلة تخفي فراغًا كبيرًا.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

