الكاتب/ مدحت صلاح.
الطموح والجموح
كان لي صديقٌ فيلسوف، بأقوال الحكماء شغوف، سألته يومًا عن الطموح.. الطموح يا فيلسوف.. وكيف نفرقه عن الجموح!
الفيلسوف؛ أه .. هذا حقًا أمرٌ هام، بل على جانب كبير من الأهمية وخاصةً في هذا العصر والأوان.
أنا؛ أثرت لدي شغف الفضول ونهمي للمعرفة، أكمل يا فيلسوف.
الفيلسوف؛ أحيانًا قد يتمرد المرء على واقعه ويحاول تغييرهُ.
عندها يجد أمامه طريقين الطموح والجموح ..!!
أنا؛ وكيف هذا يا فيلسوفي.. وفي أي طريق يسير حتى يصل لبر السلامة وينجو بنفسه من شر الندامة.
الفيلسوف؛ اسمعي وأعي يا بنيتي، قد يبدو الفارق كلاميًا بينهما بسيط، مجرد حرف واحد فقط، لكن الهوة بينهما سحيقة..!! فالطموح يرفعك إلى أعلى عليين بينما الجموح يهوي بك إلى الدرك الأسفل في الدنيا والآخرة.
أنا؛ يا الله ألهذه الدرجة الفارق كبير..؟؟
الفيلسوف؛ الطموح يا بنيتي هو تحديد هدف، ويجب أن يكون الهدف على مستوى قدراتك الشخصية، العقلية والمادية، محاولة استثمارها، تنميتها بما يتلاءم مع طبيعة ذاك الهدف، السعي الدؤوب إلى تحقيقه بالعمل، المثابرة، التمسك بمبادئ حقيقية وايمانًا قوي، والنجاح في تحقيقه ثم الانتقال إلى هدفٍ آخر حيث يكون سقف الإمكانيات قد ارتفع رصيده وهكذا صعودًا درجةً تلو الأخرى.
أما الجموح فهو مُحاولة تحقيق أهدافك في أقصر وقتٍ وأقل مجهود، دون النظر إلى امكانيتك وقدراتك الشخصية، والطامةُ الكبرى أن يكون على حِساب الآخرين والصعود على أجسادهم وآلامهم بأنانيةٍ مفرطة مستعينة بمبدأ ميكافيللي؛ “الغاية تبرر الوسيلة”. أو على حساب نفسك مستذلة صاغرة، منافقة تبيعين روحك متنازلة عن كل المبادئ السامية الأخرى. قد تصعدي بعض الوقت ولكن البقاء على القمة أصعب من الوصول إليها.. فيكون سقوطك مروعًا مدويًا.
وتكون النتيجة الحتمية والأخيرة أن تخسري الجميع وتخسري نفسك في النهاية. وكما لخصها أحد علماء الدين المعاصرين قائلًا؛ “الاستغراق في المأمول بلا حدود هو الطموح الزائد الذي ينقلب إلى جموح”.
الأمثلة عديدة ولا تحصى عن قصص الطموح والنجاح، ولكن لفت انتباهي ما قيل عن قصة نعلمها جميعًا، عن عُقبة ابن نافع، عندما لقيَه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو طفل صغير وتوسم فيه الطموح فقال له؛ “لعَل الله يفتح بك فتحًا عظيمًا”، فكانت هذه الكلمات المضيئة سراجًا له مدى حياته حتى فتح الأندلس. وكانت تلك دعوة لكل الآباء والمربيين في الأخذ بالطريقة النبوية في التربية، بالدعم، التشجيع وزرع الطموح، لأن الإنسان مُنعدم الطموح لا يمكن أن ننتظر منه إنتاجًا أو إبداعًا كبيرًا يغير مجرى التاريخ أو يُحسن من حياة الناس. لكن يا بنيتي عندي قصةٌ أخرى مختلفة عن الطموح ولكن هذه المرة عن طموح الدواب وليس البشر.
أنا؛ الدواب..!! عجبًا يا فيلسوف وكيف هذا.
الفيلسوف؛ القصة تبدأ بسقوط حصانٍ في بئرٍ فارغ بأحد القرى الصغيرة؛ حينها بدأ صاحبه يفكر في كيفية إخراجه من البئر ولما تعذر عليه الأمر، بدأ يفكر بأن حصانه قد كبر وأصابه العجز، وقرر بمعية مساعدة أهل القرية أن يرحموا الحصان ويخلصوه من عذابه وكذلك أن يردموا البئر لئلا يسقط به أحد، بدأ أهل القرية بإهالة التراب عليه، لكن طموح الحصان كان أكبر من أن يسمح بدفنه حيًا، فبدأ يحرك ظهره لِيُسقِط التراب والأحجار على الأرض، ثم يستعملها ليصعد مرةً تلو الأخرى حتى استطاع أن يُخرِجَ نفسه بنفسه من البئر. ولولا طموح الحصان لاستسلم لقدره ومات في البئر، ولم يسمع بقصته أحد.
أنا؛ لا فُض فوك يا فيلسوفي الحكيم .. ولكن قرأت ذات مرة أن الطموح الذي يمتلكه أي إنسان غالبًا ما يصبح سبب سعادته في الحياة، ومن لا يملك طموحًا، فإنه لا يملك حلمًا لتحقيقه، فهل هذا صحيح..؟؟
الفيلسوف؛ نعم يا بنيتي هذا صحيحٌ تمامًا، وكما قال الشاعر أبو القاسم الشابي:
وَأَعْلَنَ في الْكَوْنِ أَنَّ الطُّمُوحَ لَهِيبُ الْحَيَاةِ وَرُوحُ الظَّفَر.
إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَدَرْ.
أنا؛ أحسنت والله وأحسن شاعرك يا فيلسوف، ولكن بماذا تجيبني إذ ما سألتك عن اقتران الطموح بالمجازفة أو الحذر كما قال شاعرك أيضًا:
أُباركُ في النَّاسِ أهلَ الطُّموح..
ومَن يَسْتَلِذُّ ركوبَ الخطرْ
وأَلعنُ مَنْ لا يماشي الزَّمانَ ..
ويقنعُ بالعيشِ عيشِ الحجرْ
الفيلسوف؛ هذا دوري لأقول أحسنتِ والله وأحسن شاعرك يا بنيتي وعن الطموح وركوب الخطر أقول… ولكن هذا أمر شرحه يطول وأنا الليلة مشغول.
أنا؛ وأنا حرصًا مني على وقتك، وأملًا وطموحًا لنيل المزيد أقول إلى الغد إذا يا فيلسوف.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : Tweets by shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

