الكاتبة : فضية الأحمدي .
كانت المسافة بين البيت والمستشفى كالمسافة بين القلق والطمأنينة تماما ؛ قريبة حتى تلتصق، وتوغل في الطول حتى ما تنقضي !!
هناك .. يجردونك من كل شيء، ويعيرونك (بروتوكولهم) ليطمئنوا أنك في وسط حماهم تماما … بحجة التعقيم يجردونك من كل شيء، حتى نقطة (الزمام) على أنفي لم يتركوها لي !!
الموعد المحدد للعملية عند الثانية عشرة، وقبلها بنصف ساعة عليهم أن يدخلوني إلى المنطقة الحمراء ! كل شيء عندهم محسوب بدقة متناهية ؛ الوقت، الحركة، الأجهزة إلا .. دقات قلبي فلا شأن لهم بحساباتها ؛ هي لي .. لي وحدي مفردةٌ بها ومنفردة بي !.
لم تكن العملية الأولى في حياتي، فقد أجريت ثمان قبلها !! وفي كل مرة تتجدد نبضات قلبي أبكارا كدوامات الماء وقد أُلقي فيه الحجر ؛ ما إن تنقضي واحدة حتى تولد الأخرى من رحم الوجود خلقا جديدا !.
رجوتهم أن يمهلوني بضع ساعة حتى أصلي الظهر فأبوا .. فصليت الضحى عند الحادية عشرة والنصف على عجل.
عملية ليست بالكبرى، ومشفىً جيد، والأوضاع كلها طبيعية .. ولكنَّ قلبي يخفق بشدة ؛ يخفق حتى لكأنه يريد أن يفرَّ من جوانحي !.
كانت صيغة (المفعول) تلحُّ عليَّ بقوة وأنا العارفة بأبعادها تماما .. مجردةٌ ، محمولةٌ، مرفوعة ٌ، موضوعةٌ، منقولةٌ … وموجوعةٌ أنا لا طاقة لي بأن لا حول لي ولا قوة !!
محقن الدواء مغروزٌ في ظاهر كفي كأمنية مستحيلة تؤرقك في انتظار نسيانها، وغطاء بلاستيكي يحجب شعري أن إياك أن ينساب طرفٌ منك فلا حاجة لنا هنا بدلالك .. وممرضتان على جانبي السرير الضيق -كالقبر “أختي غطي وجهك عشان فيه رجال” قلت في نفسي لعلَّ تغطية وجهي وإغماض عينيَّ تقصران المسافة من الغرفة إلى غرفة العمليات … في هذه المسافة أحسست تماما بأنَّ فؤاديَ فارغٌ، فارغٌ تماما، يقف بالضبط على صراط المنطقة الوسطى بين الإحساس وال لا إحساس !.
وحين شعرت بهدوء حركة دفع السرير رفعت الغطاء عن وجهي أستبقُ ما ينتظرني … باب قسم العمليات دون الخط الأحمر كبيرٌ جدا، وحين يُفتح يُفتح على مصراعيه الكبيرين.
أسلمتني الممرضتان الرشيقتان باسمي وملفي لآخرين، تأكدوا بدورهم من اسمي، وألصقوا بالسرير الضيق البئيس سريرا آخر مثله محاذيا له تماما، ونقلوني بحركة سريعة إلى السرير الآخر وأنا أتمتم باسم الله والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم.
كان المتفق عليه مع الطبيب أن يكون التخدير نصفيا، وأنا أكرر عليه “لا أريد أن أنام .. أريد أن أكون مستيقظة .. أريد أن أقرأ القرآن ” فرد عليَّ طبيب التخدير الملتحي بابتسامة ساخرة “طيب والله حاجة كويسة إنك حتقرأي القرآن” هههه فنظرت له حنقا !!
أعطاني طبيب التخدير تعليمات التخدير وما سيحدث الآن، وكان يتعرف عليَّ في ثنايا حديثه هذا … قال لي “أنت متوترة، والأعصاب لا تظهر أمامنا في الأشعة التلفزيونية، عليك أن تهدئي” !. أطبقت عينيَّ وهززت رأسي أنْ سأفعل… وحين زاد توتري نقلوني إلى غرفة العملية مباشرة وأعطوني إبرة التخدير النصفي في الظهر هناك.
أذكر أنني أحسست بثلاث دفقات تنداح في جسدي المنهك، وأنا أكرر لا أريد أن أنام … وهم ثلاثة عند رأسي طبيبة وطبيبان وأحدهم يقول لي “تعرفي تهجينا ببيتي شعر” والآخر يرد عليه بأن شاعرا كبيرا قال لهم قصيدة في غرفة العمليات … أشحتُ بوجهي عنهم إلى الجهة الأخرى وأنا أقول “سيبوني أقرأ القرآن”.
كانت رجلاي قد نامتا تماما، فاستدعوا طبيبي الجراح، وأسدلوا بيني وبين رجليَّ ستارا أخضر.
التفتُّ إلى الثلاثة وقد تراصوا على كراسي دائرية صغيرة وقد أمسك كلٌّ منهم بجواله وأعدت لهم “لا أريد أن أنام”.
لا أذكر بعدها إلا أن أحدهم قام إلى يدي ليحقن فيها دواءً أبيض ثم .. بعد ساعتين من الزمان تنبهت وهم يقلبون صدغيَّ “فضية الحمد لله ع السلامة”..
الأهم :
——- تبا للوجع !.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :
تويتر :
سناب شات :
https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19
انستقرام:
https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك :
https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار المنوعة الدخول : http://www.shababeks.com

