Site icon مجلة شبابيك العالمية

ما لم يقله الطفل

مشاري الوسمي
رئيس التحرير .

لم يكن الطفل يدرك أن جملةً قالها لأخته ستغادر حدود اللحظة التي وُلدت فيها. كان يسمع ما تسمعه، وربما شعر بشيء من خوفها، لكنه حين التفت إليها لم يبحث عما يطمئنه، بل عما يطمئنها. قال ببساطة: «لا تخافين، حنا بالسعودية».

في تلك اللحظة، لم يكن الوطن موضوعًا للحديث، بل كان الجواب.

لم يشرح لها معنى الأمان، ولم يسرد أسباب الثقة، ولم يعدها بما لا يملك ضمانه. استدعى اسم المكان الذي ينتمي إليه، كأن الطمأنينة التي نشأ عليها وجدت طريقها إلى لسانه قبل أن يجد الخوف طريقه إلى قلب أخته.

نحن الكبار نحتاج أحيانًا إلى أدلة كي نطمئن. نراجع الاحتمالات، ونقيس المسافة بين ما نخشاه وما نعرفه، ونبحث عما يسند يقيننا. أما ذلك الطفل، فلم يكن الأمان عنده نتيجةً وصل إليها بالتفكير، بل شعورًا بدأ منه. لم يعرف كيف يفسّره، لكنه عرف كيف يمنحه.

وهنا يكمن ما يستحق التأمل؛ فالطمأنينة التي تستقر في الإنسان لا تظهر في قدرته على مواجهة خوفه وحده، بل في قدرته على تخفيف خوف الآخرين. لقد عاش الطفل اللحظة نفسها التي عاشتها أخته، ومع ذلك وجد في داخله ما يكفي ليكون لها سندًا. وكأن الأمان الحقيقي لا يكتمل حين نشعر به، وإنما حين يصبح لدينا منه ما نعطيه.

ولعل المسؤولية تبدأ قبل أن نعرف اسمها؛ حين ينتبه الإنسان إلى ارتجافة من يحب، فينسى للحظة أن له خوفًا هو الآخر. لم يكن عبدالله يملك أن يحمي أخته من كل ما تخشاه، لكنه استطاع أن يمنحها ما يحتاجه الخائف قبل أي شيء: ألا تشعر أنها وحدها.

ليس الأمان ما نعرفه عن المكان فحسب، بل ما يتركه المكان فينا، حتى نحمله معنا دون أن نشعر. فقد نعرف أننا نعيش في وطن آمن، لكن الأعمق من هذه المعرفة أن يصبح الأمان جزءًا من تكويننا، حاضرًا في ردود أفعالنا قبل كلماتنا. وما قاله عبدالله لم يكن حكمًا على ما يمكن أن يحدث، بل تعبيرًا عما ترسّخ في داخله قبل أن يبلغ العمر الذي يستطيع فيه تفسيره.

ولأن النعم التي نألفها تتوارى قيمتها خلف حضورها اليومي، فقد نغفل عما تصنعه فينا. نعيشها دون أن ننشغل بتسميتها، حتى تأتي لحظة غير متوقعة فتكشف أن ما حسبناه أمرًا عاديًا قد أصبح جزءًا من طريقتنا في مواجهة العالم.

لم يكن عبدالله ينكر الخطر، ولا يملك ضمانًا لما سيحدث. لكنه حين احتاج إلى كلمة يخفف بها خوف أخته، لم يستعر طمأنينة من خارج تجربته؛ قال ما يعرفه عن وطنه، وما يشعر به في داخله، دون أن يفصل بين الاثنين.

لهذا تجاوز المشهد حدود الحكاية العائلية. لم يكن الناس بحاجة إلى طفل يعلّمهم حب الوطن، لكنهم رأوا في عفويته شيئًا يصعب أن تقوله العبارات المعدّة سلفًا. فالمشاعر التي نختار كلماتها بعناية تكشف عما نريد التعبير عنه، أما الكلمات التي تفلت منا في اللحظات المفاجئة فقد تكشف عما أصبحنا عليه.

ولعل أجمل ما في المشهد أن الطفل لم يكن يحاول أن يكون شجاعًا، ولا أن يقول عبارة تستحق التداول. كان يريد فقط ألا تخاف أخته. وحين استعان بوطنه ليطمئنها، كشف دون قصد عن أثر سنوات من الأمان في لحظة واحدة؛ سنوات لم يكن يحصي فيها أسباب الطمأنينة، لكنها كانت تترك أثرها فيه حتى غدت أول ما يستحضره حين احتاجت أخته إليه.

قال عبدالله لأخته: «حنا بالسعودية».

لم يكن يصف المكان الذي يقفان فيه، بل كان يستحضر ما يعنيه ذلك المكان له.

أما ما لم يقله الطفل، فقد قالته محاولته أن يكون سندًا لأخته في لحظة خوفها: أن الوطن حين يمنح أبناءه الطمأنينة، فإنه يمنح بعضهم القدرة على أن يكونوا طمأنينةً لبعض.

________________________________________

المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه

X : Tweets by shababeks_1

سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1

انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag

قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag

لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

Exit mobile version