الكاتب : عبدالله عبيد اليوبي .
هل يمكن أن نفهم إنسانًا عاش قبل ألف سنة إذا درسنا أفكاره وأحداث عصره، وأهملنا بيته وطعامه ومناخه وطريقه إلى السوق وعلاقته بالماء والمسافة والليل والنهار؟
ربما نعرف اسمه، ونعرف الحروب التي وقعت حوله، والكتب التي كانت تُقرأ في عصره، لكننا لا نكون قد عرفنا الإنسان نفسه. فالتاريخ يخبرنا غالبًا بما حدث، أما فهم الإنسان فيحتاج إلى أن نقترب من الحياة التي كان الحدث يجري داخلها.
فالإنسان لا يعيش في الزمن كما يعيش رقم داخل تقويم، ولا يسكن المكان كما توضع قطعة على خريطة. إنه يتشكل بهما؛ يأخذ من بيئته عاداته، ومن مناخه لباسه ومسكنه، ومن موارد أرضه طعامه، ومن المسافة مفهومه للقرب والبعد، ومن وسائل عصره حدود ما يستطيع أن يعرفه عن العالم.
ولذلك لم يكن الليل قبل الكهرباء هو الليل الذي نعرفه اليوم. كان أكثر ظلمة وأطول حضورًا في حياة الإنسان، وكانت الحركة فيه محدودة، والصوت القادم من بعيد أكثر إثارة للانتباه. ولم تكن المسافة قبل السيارة والطائرة مجرد عدد من الكيلومترات؛ فقد تكون قرية تبعد عشرات الكيلومترات عالمًا آخر لا يراه الإنسان إلا مرات قليلة في حياته.
حتى الماء، الذي يصل إلينا اليوم بمجرد فتح صنبور، كان في مجتمعات كثيرة عنصرًا يرسم حدود الاستقرار ويحدد موضع البيت والقرية والطريق. حول البئر نشأت علاقات، وعلى ضفاف الأنهار قامت مدن، وبسبب الجفاف تحركت جماعات من مكان إلى آخر. وهكذا لم تكن الجغرافيا خلفية صامتة للتاريخ، بل كانت شريكًا في صناعته.
والبيت أيضًا لم يكن جدرانًا تحمي الإنسان من الحر والبرد فحسب. طريقة بنائه، واتجاه نوافذه، واتساع ساحته، وموقعه من بيوت الآخرين، كلها تخبرنا بشيء عن الأسرة والخصوصية وعلاقة الجار بجاره. وكذلك السوق لم يكن مكانًا للبيع والشراء فقط، بل فضاءً تلتقي فيه الأخبار واللهجات والعادات والغرباء، وقد يعرف الإنسان من خلاله ما يحدث خارج عالمه الصغير.
ومن هنا تصبح الأشياء البسيطة وثائق من نوع آخر. إناء للطعام، وبئر مهجورة، وبقايا طريق، وشكل باب، وأداة زراعية، وقبر قديم؛ أشياء قد تبدو هامشية أمام أخبار الملوك والحروب، لكنها حين نجمعها تعيد إلينا صورة الإنسان الذي غاب عن الرواية الكبرى للتاريخ.
ولعل الخطأ الذي نقع فيه أحيانًا أننا ننظر إلى إنسان الماضي بعين الحاضر، ثم نستغرب بعض اختياراته ومخاوفه وعاداته. ننسى أننا نملك من المعرفة والوسائل ما لم يكن يملكه، وأن الأشياء التي تبدو لنا سهلة ربما كانت بالنسبة إليه رحلة، وما نراه بديهيًا اليوم ربما لم يكن قد دخل عالمه أصلًا.
لهذا فإن فهم الإنسان لا يكتمل بسؤال: ماذا كان يفكر؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: أين كان يعيش؟ وكيف كان يعيش؟ وماذا كان يرى عندما يفتح باب بيته؟ وكم يحتاج من الوقت ليصل إلى المكان الذي نصل إليه اليوم في دقائق؟
فالإنسان ابن زمانه ومكانه، لكنه ليس أسيرًا لهما؛ يتأثر بهما ثم يؤثر فيهما، يبني المدينة فتغيّر المدينة طريقة حياته، يشق الطريق فيغيّر الطريق علاقته بالمسافة، ويبتكر أداة توفر عليه الوقت، ثم تعيد تلك الأداة تشكيل معنى الوقت نفسه.
وهنا يلتقي التاريخ بالجغرافيا والعمران وعلم الإنسان؛ لأن الماضي لم يكن سلسلة من الأحداث فقط، بل كان حياة كاملة عاشها أناس مثلنا، أحبوا وخافوا وانتظروا وسافروا وعادوا، ولكن داخل عالم مختلف عن عالمنا.
ولذلك، إذا أردنا أن نفهم إنسانًا عاش قبل ألف سنة، فلا يكفي أن نعرف ماذا حدث في زمانه؛ علينا أن نحاول أن نرى العالم من المكان الذي كان يقف فيه. فربما كان الإنسان ابن الزمان والمكان، لكن فهمه يبدأ عندما ندرك أن الزمان والمكان لم يكونا حوله فقط، بل كانا جزءًا منه.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : Tweets by shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

