Site icon مجلة شبابيك العالمية

ثمن البقاء

مشاري الوسمي
رئيس التحرير

في الحروب القديمة، لم يكن القائد العظيم أكثرهم ولعًا برفع السيف، بل أكثرهم معرفةً باللحظة التي يعيده فيها إلى غمده.
كان يعرف أن بعض الأماكن تُترك ليبقى الجيش، وأن تلًّا صغيرًا قد يُمنح للخصم كي تبقى المدينة واقفة، وأن الراية لا تسقط دائمًا حين نتراجع خطوة؛ فقد تسقط حين نُصرّ على خطوةٍ لا تستحق كل هذا الدم.

ونحن خارج ميادين الحرب نفعل الشيء نفسه، لكن سيوفنا كلمات، ومدننا قلوب، وخسائرنا لا تُدفن في المقابر.
لهذا، لا أرى التنازل انحناءً دائمًا، كما لا أرى الإصرار شجاعةً دائمًا. فالشجرة التي لا تعرف كيف تميل للريح قد تكسرها أول عاصفة، أما التي تنحني قليلًا فليست أقل شموخًا؛ إنها تعرف أن الجذور أهم من استعراض الأغصان.

هكذا بعض البشر؛ يتراجع أحدهم عن كلمة، لا لأنه لا يملك ردًّا، بل لأن في الجهة الأخرى قلبًا لا يريد جرحه. ويبتلع انتصارًا كاملًا لأن ثمنه سيكون هزيمة شيءٍ أجمل. ويمد يده أولًا، لا لأنه الأضعف، بل لأنه يعرف أن المسافة بين قلبين أهم من المسافة بين مخطئ ومصيب.
ذلك ليس ضعفًا، بل قوة تعلّمت الأدب.

فبعض العلاقات لا تهدم الإنسان بضربة واحدة، بل تفعل ذلك كما يفعل الماء بالصخر؛ قطرةً لا تُخيف، ثم أخرى لا تستحق الالتفات، حتى نصحو أمام تجويفٍ صنعته أشياء كنا نسمي كل واحدة منها: «لا بأس».، وما أكثر الأشياء التي بدأت في حياتنا بـ«لا بأس»… وانتهت بأشياء كان فيها كل البأس.

الخطر في التنازل ليس فيما نعطيه فقط، بل فيما نعلّم الآخرين عليه. حين تتنازل مرةً عن محبة، قد يفهمك الآخر، وحين تتنازل دائمًا خوفًا من خسارته، قد يفهم أنك أنت من يخشى الرحيل.
ومن هنا يتغير ميزان العلاقة بصمت.
فالكرامة ليست سيفًا نرفعه في وجوه من نحب، لكنها أيضًا ليست معطفًا نعلّقه عند باب العلاقة كلما دخلنا.

تنازل عن كلمة تحفظ بها قلبًا، وأطفئ غضبًا قبل أن يحرق بيتًا بنيته أعوامًا، واترك مقعد الانتصار فارغًا إن كان الجلوس عليه سيكلّفك إنسانًا يستحق.، لكن لا تجعل نفسك الثمن.
فالحكمة ليست أن تنتصر دائمًا، ولا أن تتنازل دائمًا؛ الحكمة أن تعرف أي الأشياء أوراقٌ تستطيع الريح أن تأخذها ثم تعود الشجرة فتورق، وأيها جذورٌ إن اقتُلعت، فلن تنفعك كل الفصول القادمة.

فلا تهدم بيتًا لتحافظ على حجر، ولا تحرق قلبًا لتضيء لحظة انتصار، لكن في المقابل، لا تكن أنت الحطب في كل مرة.
لأن بعض الذين خافوا أن يخسروا الآخرين، ظلوا يتنازلون لهم عن غرفةٍ بعد غرفة من أرواحهم، حتى بقي البيت عامرًا بالجميع، ولم يبقَ لصاحبه مكانٌ فيه.

________________________________________

المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه

تويتر : Tweets by shababeks_1

سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1

انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag

قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag

لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

Exit mobile version