بقلم : محمد أكسم.
بلاشك أن المدينة ليست مجرد شوارع متقاطعة، ومباني شاهقة، ووسائل نقل ذكية تصل بين مكان وآخر, إن المدينة في حقيقتها تعد كائن حي يتنفس,نعم بأصوات سكانه، ويحتفظ بذاكرته في جدرانه، ويكشف عن شخصيته في ساحاته ومقاهيه ومسارحه ومعارضه, وكلما ازدادت المدينة اهتماماً بالإنسان، انعكس ذلك على قدرتها على أن منحه شعوراً بأنه يعيش فيها، لا أنه مجرد عابر داخلها
هنا يأتي دور الفنون, فالفن لا يجمل المدن فحسب، كما قد يبدو للوهلة الأولى، لكنه قادر على إعادة اكتشاف الأماكن، وإعادة تشكيل علاقتنا بها, جدار قد يتحول للوحة تروي حكاية، وساحة مهملة يمكن أن تصبح مسرحاً مفتوحاً، ومبنى قديم قد يستعيد الحياة عندما يتحول إلى مركز ثقافي.
وفي كل مرة يحدث ذلك، لا يتغير المكان وحده، بل تتغير نظرة الإنسان إليه,المدينة التي تحتضن الفن تمنح سكانها فرصة للقاء خارج إيقاع العمل, ففي المسرح يلتقي أشخاص لا يعرف بعضهم بعضاً حول حكاية واحدة، وفي الحفل الموسيقي تتجاور أعمار وطبقات اجتماعية مختلفة، وفي معرض فني يقف الزائر أمام لوحة ربما تفتح داخله سؤالاً لم يكن يفكر فيه من قبل
وهذه واحدة من أهم وظائف الفن: أن يصنع مساحة مشتركة بين المختلفين
في عالم تتزايد فيه العزلة، أصبح وجود هذه المساحات ضرورى,فالتكنولوجيا أتاحت للإنسان أن يتواصل مع آلاف الأشخاص من خلف شاشة، لكنها لم تستطع دائماً أن تمنحه ذلك الشعور البسيط بالانتماء إلى مكان حقيقي,لذلك تبدو الساحات الثقافية، والمكتبات، والمسارح، ودور السينما، ومراكز الفنون، وحتى المقاهي التي تستضيف الفعاليات الأدبية، جزءاً من البنية الإنسانية للمدينة، وليس مجرد أماكن للترفيه
عندما تتحول الجدران إلى مساحات للرسم، أو تظهر المنحوتات في الميادين، أو تقام العروض الموسيقية في الأماكن المفتوحة، فإن الفن يخرج من المؤسسات المغلقة إلى الناس, يصبح جزءاً من الحياة اليومية، ويمنح المارة فرصة لاكتشاف الجمال دون أن يبحثوا عنه بالضرورة
الفنون قادرة أيضاً على حفظ الذاكرة, فالمدينة تتغير باستمرار، والمباني القديمة تختفي، والشوارع تتبدل، والأجيال تتعاقب، لكن الأغنية والمسرحية والصورة والرواية تستطيع أن تحفظ تفاصيل مرحلة كاملة, أحياناً تكفي أغنية واحدة كي تعيد إلى الإنسان شارعاً غادره منذ سنوات، أو صورة قديمة كي تستحضر ملامح مدينة لم تعد موجودة بالشكل نفسه
لهذا يمكن النظر إلى الفن باعتباره أحد أشكال أرشيف المدن
والأدب تحديداً يمتلك قدرة استثنائية على ذلك, فالكاتب لا يصف المدينة كما تبدو فقط، وإنما كما يشعر بها سكانها, قد تصبح المدينة شخصية في رواية، أو مسرحاً لقصة حب، أو شاهداً على تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية, وبعد سنوات، قد يعود قارئ إلى تلك الأعمال فيكتشف مدينة لم يعش زمنها، لكنه يستطيع أن يشعر بها.
والذي يمنح المدينة شخصيتها الحقيقية ليس ارتفاع أبراجها فقط، وإنما الحكايات التي تعيش في شوارعها، والأغاني التي خرجت منها، والفنانين الذين رسموا ملامحها، والكتاب الذين منحوا أماكنها أسماء جديدة في ذاكرة القراء
فالفن يصبح أكثر تأثيراً عندما يكون متاحاً للطفل قبل المثقف، وللعامل قبل المتخصص,وقد يكون أعظم ما يفعله الفن أنه يمنح الإنسان فرصة للتعبير عن نفسه.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : Tweets by shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

