Site icon مجلة شبابيك العالمية

حين يصبح الهروب إعترافًا

الكاتبة : د. غادة طنطاوي .

هناك أشياء لا نستطيع أن نسأل عنها..!!
نبقى عالقين بين إحساسٍ يصرّ على أنه يعرف، وعقلٍ يشك في كل شيء. نفتّش عن المعنى في الصمت، وعن الحقيقة بين التفاصيل الصغيرة. ثم نكتب، لا لأننا نملك إجابة، بل لأن الأسئلة أصبحت أثقل من أن نحملها وحدنا.. وربما تكون الكتابة أحيانًا هي الطريقة الوحيدة التي نحاول بها فهم ما يحدث في داخلنا.

بين الظن والتوهّم أقف دائمًا في المنطقة، التي لا أعرف فيها إن كنت أشعر أم أتخيّل. أكتب ما لا أفهمه، وأحاول أن أمنح شكلًا لأشياء لا شكل لها، وأن أضع اسمًا لمشاعر، كلما اقتربت منها هربت إلى مكان أعمق في داخلي.

كأنني أترجم لغة لا يتحدثها أحد، لغة اخترعها قلبي ذات ليلة، ثم نسي مفاتيحها، وتركني وحدي أمام جملة ناقصة لا أعرف كيف أتمّها.

أكتب كما يضع الأعمى يده على الجدار؛ لا ليرى الطريق، بل ليتأكد أنه ما زال هنا. أكتب وكأن الحروف نداء استغاثة من عقلٍ يغرق في فراغه، في محاولة بائسة لإيجاد معانٍ لكلمات تمشي أمامي بلا وجه.
أحيانًا أشعر أنني أعرف الحقيقة، ثم يأتي الشك في اللحظة نفسها ليمحو ملامحها. فأعود إلى الورق.

أكتب عن أشياء لم تحدث، وأحيانًا عن أشياء حدثت لكنني لا أعرف إن كانت تعني ما أظنه. وهنا تبدأ الحيرة… هل ما أشعر به حقيقة لأنني أشعر به..؟؟ أم أنني أشعر به لأنني أخشاه..؟؟ هل بعض الصمت يحمل معنى..؟؟ أم أنني أنا من أملأه بالمعاني لأنني لا أحتمل فراغه..؟؟

لكن المفارقة المؤلمة أنني كلما كتبت أكثر، ظننت أنني أقترب من النجاة… ثم اكتشف أنني أغرق أعمق. وربما لهذا أكتب؛ لأنني لم أعد أعرف هل الكتابة هي طريقي إلى النجاة، أم أنها الطريقة الوحيدة التي أعرف بها كيف أغرق..؟؟

ربما الكتابة ليست نجاة كما كنت أظن…ربما هي الغرق نفسه، لكنني هذه المرة أغرق وأنا أملك قلمًا. ولهذا، كلما كتبت أكثر ظننت أنني أقترب من السطح…ثم أكتشف أنني أهبط أعمق. أعمق في نفسي، أعمق في ظني، أعمق في ذلك الشيء الذي أشعر به ولا أعرف كيف أسمّيه.

وفي النهاية، أدركت أنني لم أكن أبحث عن إجابة بقدر ما كنت أبحث عن طمأنينة. كنت أريد من الكلمات أن تخبرني أن ما شعرت به لم يكن وهمًا، وأن كل هذا الارتباك كان لسبب. لكن بعض الأشياء لا تأتي لتُفهم… تأتي فقط لتسكننا، وتترك في أرواحنا أثرًا لا نعرف كيف نمحوه. وربما لهذا ظللت أكتب؛ لأنني كلما عجزت عن الوصول إليه، وصلت إلى جزءٍ أعمق مني. حتى فهمت متأخرةً أن أصعب أنواع الغرق ليس أن تغرق في بحر… بل أن تغرق في داخلك، وأنت تعرف أن لا أحد يستطيع أن ينتشلك منك.

وربما أكثر ما يخيفني، أن أصل إليه يومًا… فأكتشف أنني كنت أهرب منه إلى الكتابة، بينما كان هو يسكنني منذ البداية.

Exit mobile version