الكاتبة : منى السويدان.
ربما لم يُخلق القلم لكي نكتب به… ربما خُلق لأن في الحياة أشياء لا تستطيع الحياة نفسها أن تشرحها. أشياء تمرّ بنا كالغيب نشعر بها ولا نعرف اسمها، نسكنها ولا نفهمها، تغيّرنا ثم تمضي، فنحتاج إلى إنسانٍ يقف بين التجربة ومعناها ويقول: انتظروا…هناك شيءٌ يستحق أن يُفهم.
ذلك الإنسان هو الكاتب. ومهمته ليست سهلة، لأنه لا يتعامل مع الكلمات فقط، بل مع ذلك الجزء الخفي من الوجود الذي لا يُرى إلا حين يتحول إلى لغة.
هناك كاتبٌ يدخل جرح المجتمع، لا ليصف الدم، بل ليسأل: من أين بدأ النزف؟ فيكتب عن الفقر والظلم والعائلة والزواج والوحدة والسلطة والخوف…فتصبح الكتابة مرآةً يرى المجتمع فيها وجهًا كان يتجنب النظر إليه.
وهناك كاتبٌ يكتب فكرةً، ثم يرحل…وتبقى الفكرة تمشي.
لكننا ننسى أن الفكرة قبل أن تصبح كتابًا ربما كانت مجرد خاطرة مرّت في عقول آلاف البشر ثم اختفت. حتى جاء كاتبٌ وتوقف عندها.أعطاها من وقته، ومن عزلته، ومن بحثه، ومن قلقه ،وربما من سنواتٍ كاملة من عمره كي ترى النور. فالفكرة لا تصبح أثرًا لمجرد أنها خطرت لأحد…إنها تحتاج إلى إنسان يؤمن بها بما يكفي ليدفع من عمره ثمنًا لولادتها. يفككها، ويختبرها، ويعيد صياغتها، حتى تتحول من إحساسٍ مبهم إلى معنى، ومن معنى إلى كلمات، ومن كلمات إلى كتاب، ومن كتاب إلى وعي قد يغيّر حياة إنسانٍ لم يولد بعد. وكأن بعض الأفكار تظل معلّقة في الوجود، تنتظر من يمنحها لغة. وحين تجد كاتبها…تبدأ حياتها. لهذا تُمنح أجساد بعض البشر عمرًا واحدًا، بينما تُمنح أفكارهم أعمارًا لا يعرف نهايتها أحد.
وهناك الباحث، لا يطمئن إلى أول حقيقة لأنه يعرف أن خلف كل إجابة صادقة سؤالًا أكثر اتساعًا.لا يبحث ليعرف فقط…بل لأن في داخله خشوعًا أمام المجهول.
وهناك الفيلسوف، لا يعطيك الطريق، بل يزعزع الأرض التي كنت تسميها يقينًا، ثم يتركك أمام السؤال: ماذا لو أن ما عرفته طوال حياتك لم يكن كل الحقيقة؟.
وهناك الروائي…يا لغرابة أمره. يجلس وحيدًا أمام ورقة، فيخلق شارعًا لم يوجد، وبيتًا لم يُبنى، وامرأةً لم تولد، ورجلًا لم يعش…ثم يجعلنا نحبهم،ونخاف عليهم، ونبكي غيابهم ونحن نعرف أنهم ربما لم يوجدوا.
وقد تعبر الرواية من الورق إلى السينما، فيصبح ما بدأ سرًّا في خيال إنسان واحد ذاكرةً تسكن ملايين البشر.
أليست الكتابة شكلًا غريبًا من الخلق؟
أن تمنح ما لم يوجد وجودًا داخل الإنسان.
وهناك من كتب عن الحب، لا ليزيد كلام العشاق كلامًا، بل لينقذ الحب من خفّته، ويعيده إلى مقامه:مسؤولية أن تدخل حياة إنسان وأنت تعرف أن قلبه ليس مكانًا للتجربة.
وهناك من كتب عن العلاقات، فدخل تلك المسافة الغامضة بين (أنا)و(أنت) كيف نصنع لبعضنا وطنًا، وكيف قد نصنع في الروح نفسها جرحًا.
وهناك كاتبٌ لم يبحث في العالم أصلًا…بحث في نفسه.
فتح أدراجه القديمة،ووضع خوفه وحبه وفشله وخساراته أمام قارئٍ لا يعرفه، فقرأه غريب وقال: إذن… لم أكن وحدي. وهنا يصبح الكتاب أكثر من كتاب. يصبح لقاءً بين روحين لم تجمعهما مدينة، ولا زمن، ولا معرفة…جمعتهما جملة. ولعل هذا يفسّر لماذا ما زلنا نعود إلى كُتّابٍ غابت أجسادهم منذ مئات السنين. نعود إليهم حين يستعصي علينا لغز، وحين نريد تفكيك سؤال، وحين تضيق بنا إجابات عصرنا. والأعجب أن إنسانًا لم يعرف أسماءنا، ولم يرانا، ولم يعش زمننا، قد يترك في كتابٍ قديم مفتاحًا لبابٍ أُغلق داخلنا اليوم. لأن الكاتب الذي يذهب عميقًا لا يكتب عن زمنه فقط…إنه يصل إلى الإنسان المختبئ تحت الزمن. تتغير المدن والوجوه والآلات، لكن الإنسان ما زال يسأل:
من أنا؟
لماذا أحب؟
لماذا أخاف؟
ما الحقيقة؟
ماذا يفعل بنا الفقد؟
وماذا يبقى منا بعد الرحيل؟
تخيّلوا إذن عالمًا بلا كُتّاب…
كم شعورًا كان سيموت بلا اسم؟
كم سؤالًا كان سيُدفن قبل أن يُسأل؟
كم فكرةً كانت ستظل عالقةً في رؤوس البشر لولا أن أحدهم منحها من عمره كي تولد؟
وكم جيلًا كان سيضطر أن يبدأ فهم الحياة من الصفر؟.
لكن الكتب منحت الإنسان امتيازًا مهيبًا ألّا يبدأ من عمره وحده. حين نقرأ، نبدأ أحيانًا من حيث انتهت عقولٌ وأرواح كثيرة قبلنا. ولهذا لا أرى المكتبات رفوفًا تحمل الورق…
إنها ذاكرة الإنسان خارج جسده. المكان الذي يستطيع فيه حيٌّ أن يجلس أمام عقل إنسانٍ مات منذ قرون، ويسأله عن الحياة.يفتح كتابه…فيلتقي وعيٌ وُلد اليوم بوعيٍ رحل منذ مئات السنين. وهنا أفهم لماذا يشبه القلم إكسير الحياة.
ليس لأنه يمنح الكاتب الخلود، فالكاتب سيرحل كما يرحل الجميع…لكن شيئًا منه يرفض أن يُدفن معه.
سؤالٌ طرحه.
حقيقةٌ لمسها.
جرحٌ سمّاه.
حبٌ أعاد إليه قداسته.
وفكرةٌ اقتطع لها شيئًا من عمره حتى يمنحها عمرًا بعده.
وكأن الكاتب حين يضع النقطة الأخيرة لا يقول للقارئ: انتهيت. بل يقول لإنسانٍ لم يولد بعد: لقد مررتُ من هنا، وسألتُ الحياة قبلك، وأعطيتُ بعض أسئلتي من عمري كي لا تضطر أنت أن تبدأها من الصفر.
هذا ما استطعت أن أفهمه… ابدأ من هنا.وربما هذه هي قداسة القلم: أن يأخذ الكاتب شيئًا من عمره الفاني، ويحوّله إلى معنى قد يعيش أكثر منه. فالكاتب لا يهزم الموت… لكنه يترك وراءه شيئًا لا يعرف الموت كيف يأخذه معه.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

