الكاتبة : منى السويدان.
هل تصبح الأمومة عقوبة عاطفية؟
وكيف يمكن لوعينا التقليدي بالحضانة أن يؤثر في مستقبل الأسرة والإنجاب؟
ثمة معادلة اجتماعية تحتاج إلى إعادة نظر:
حين يتزوج الأب بعد الطلاق، كثيرًا ما يُنظر إلى الزوجة الجديدة باعتبارها امرأة قد تشارك في رعاية أطفاله، بينما يظل زواج الأم في الوعي المجتمعي محاطًا بسؤال مختلف تمامًا: كيف سيدخل رجل آخر إلى حياة أبنائها؟
المشكلة ليست في الحرص على الأطفال؛ فالحرص عليهم واجب، سواء تزوج الأب أو الأم.
المشكلة في أن يتحول هذا الحرص إلى معيار مزدوج يجعل الزواج حقًا طبيعيًا للرجل، واحتمالًا مهددًا للأمومة حين يتعلق بالمرأة.
وهنا تبدأ المعادلة المكسورة.
فحين تشعر المرأة أن إنجابها لطفل قد يجعل مستقبلها العاطفي والأسري مرهونًا بالخوف من فقد حضانته إذا انتهى زواجها، فإننا لا نناقش قضية أسرية خاصة فحسب؛ بل نصنع تصورًا جديدًا عن الأمومة نفسها.
الأمومة التي يفترض أن ترتبط في الوعي بالحب والامتداد والمسؤولية، قد تتحول في ذهن بعض النساء إلى التزام يحمل معه ثمنًا مستقبليًا لا يعرفن حجمه بعد.
وهذا سؤال يستحق أن يُدرس بجدية، خصوصًا في زمن تتغير فيه تصورات الأجيال الجديدة تجاه الزواج والإنجاب:
هل يمكن أن تؤثر المخاوف المرتبطة بمصير الأطفال بعد الطلاق في قرارات بعض النساء بشأن الزواج والإنجاب وعدد الأطفال؟
لا يصح أن نجزم بأن ذلك سبب مباشر لانخفاض الخصوبة من دون بيانات ودراسات، لكن من الخطأ أيضًا ألا نسأل عن أثره.
فالأمن السكاني لا تصنعه الأرقام وحدها؛
يصنعه قبل ذلك شعور الإنسان بأن تكوين الأسرة قرار آمن، وأن القانون والمجتمع لن يحوّلا أبناءه يومًا إلى نقطة خوف في مستقبله.
ثم إن القضية أعمق من المرأة وحدها.
فالطفل ليس جائزة يحصل عليها أحد الوالدين، ولا ورقة تفاوض، ولا وسيلة لمعاقبة طرف لأنه قرر أن يبدأ حياة جديدة.
السؤال الحقيقي في الحضانة يجب أن يبقى دائمًا:
أين يكون هذا الطفل أكثر أمانًا واستقرارًا ورعاية؟
قد تكون الإجابة عند الأم، وقد تكون عند الأب، وقد تتغير باختلاف كل حالة؛ لأن حياة الأطفال أعقد من أن تُحسم بقاعدة اجتماعية واحدة لا ترى تفاصيلهم.
أما أن يصبح زواج الأم وحده سببًا اجتماعيًا كافيًا للتشكيك في أهليتها، بينما لا يُقرأ زواج الأب بالمنظار ذاته، فهنا لا نكون أمام حماية للطفل بقدر ما نكون أمام إرث ثقافي يحتاج إلى مراجعة.
والأخطر أن إجبار الأم نفسيًا على الاختيار بين أطفالها وبين حقها المشروع في بناء حياة جديدة لا ينتهي أثره عندها.
أم تعيش سنواتها تحت الخوف والحرمان والقلق ليست قضية فردية معزولة؛ فالاستقرار النفسي للوالدين ينعكس على الأطفال، وعلى قدرتهم على العمل والإنتاج وبناء علاقات صحية، وعلى المجتمع كله في النهاية.
لهذا فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون:
هل تتزوج الأم أم لا؟
بل:
هل البيئة الجديدة آمنة للطفل؟
هل استقراره محفوظ؟
هل حقوقه مصونة؟
وهل بقاؤه مع هذا الوالد أو ذاك يحقق مصلحته الفعلية؟
بهذه الأسئلة ننتقل من ثقافة امتلاك الطفل إلى ثقافة حماية الطفل.
ومن معاقبة الإنسان على تغير حالته الاجتماعية إلى تقييم قدرته الحقيقية على الرعاية.
نحن بحاجة إلى وعي يفهم أن حماية الأمومة لا تعني مطالبة المرأة بالتوقف عن الحياة، كما أن احترام الأبوة لا يعني منح الرجل امتيازًا اجتماعيًا لا تحصل عليه المرأة.
فالأسرة لا تُحمى بحرمان أحد والديها من المستقبل،
ولا يُحمى الطفل بتحويله إلى ثمن يدفعه أحدهما مقابل حقه في أن يبدأ من جديد.
المجتمع الذي يريد من أفراده أن يؤمنوا بالزواج والإنجاب، عليه أولًا أن يجعل الأسرة مساحة أمان لا عقدًا يخاف الإنسان من ثمن الخروج منه إذا فشل.
ولهذا ربما لم يعد السؤال:
هل يحق للأم أن تتزوج وتحتفظ بأطفالها؟
بل السؤال الأكثر عدلًا:
متى سنتوقف عن مطالبة الأم بأن تثبت حبها لأطفالها بالتنازل عن جزء من حياتها؟
وهل يمكن أن يكون الخوف من مصير الحضانة أحد العوامل التي تعيد تشكيل موقف الجيل الجديد من الزواج والإنجاب؟
هذا سؤال لا ينبغي أن نجيب عنه بالعادات وحدها…
بل بالبحث، والعدالة، ومصلحة الطفل أولًا.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

