Site icon مجلة شبابيك العالمية

حين تنسى الذاكرة أصحابها.

الكاتبة: دلال كمال راضي.

هل فكرت يومًا أن يأتي صباح تنظر فيه إلى وجهك في المرآة ولا تعرف من أنت؟ أن تبحث عن اسم تعرفه جيدًا فلا تجده؟ أن ترى وجهًا أحببته طوال عمرك، فتشعر أنه مألوف، لكنك لا تعرف صاحبه؟
ماذا لو كان هذا الوجه وجه ابنك؟ أو ابنتك؟ أو شريكة عمرك؟ ماذا لو وقفت أمامك أمك ولم تعرفها؟ أو وقف أمامك أبوك ولم تعرف أنك ابنه؟
هذا هو أحد أكثر المخاوف قسوة، إنه الزهايمر حين يجعلك تعيش وأنت تنسى الحياة التي عشتها.

تخيل خوفك إن بدت عليك المراحل الأولى للزهايمر، خوف من أن تضيع منك الأشياء التي صنعتك: اسمك، بيتك، أصدقاؤك، أبناؤك، طفولتك، شبابك، أحلامك، إنجازاتك، وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي كنت تظن أنها ستبقى معك إلى الأبد، ماذا لو بدأت تختفي؟ شيئًا فشيئًا، حتى لا يبقى في الذاكرة إلا فراغ كبير؟.

ربما يبدأ الأمر بنسيان كلمة، ثم اسم شخص، ثم موعد، ثم مكان شيء وضعته قبل دقائق، وتقول لنفسك: لا بأس، ربما هو التعب، ربما هو التقدم في العمر، ثم تكتشف أن الأمر ليس عابرًا، وأن ذاكرتك التي عشت معها عمرك كله بدأت تتخلى عنك.

والأكثر ألمًا أن ترى الزهايمر في شخص قريب منك، أن ترى أحد أحبائك كان بالأمس يعرف الجميع، ويحفظ الأسماء، ويروي الحكايات، ويتذكر تفاصيل السنين، ثم تراه اليوم يسأل السؤال نفسه مرات كثيرة، وينسى من زاره، وينسى أين هو، وينسى أسماء أبنائه، وربما ينظر إليك طويلًا ثم يسألك: من أنت؟
عندها لا تبكي فقط من أجله، بل تخاف على نفسك، وتقول في داخلك: ماذا لو كنت أنا؟ ماذا لو جاء يوم أقف فيه أمام أبنائي ولا أعرفهم؟ ماذا لو نسيت ابنتي التي حملت ذكريات طفولتها في قلبي؟ ماذا لو نسيت ابني الذي رأيته يكبر أمام عيني؟ ماذا لو نسيت أصدقاء العمر ورفاق الطريق، من وقف معي في حزني، ومن فرح لفرحي، ومن حمل أسراري؟ ماذا لو نسيتهم جميعًا؟
تخيل أن تدخل بيتك ولا تعرف أنه بيتك، أن تجلس بين أهلك ولا تعرف أنهم أهلك، أن ترى صورًا قديمة فتسأل: من هؤلاء؟ أن تنظر إلى صورة لك وأنت شاب، ولا تدرك أن ذلك الشاب هو أنت.

ما أقسى أن تصبح غريبًا في حياتك، أن يعيش جسدك داخل المكان نفسه بينما تغادره الذاكرة، وأن يبقى الآخرون يعرفون قصتك وأنت لا تعرف منها شيئًا.

ثم تأتي المرحلة التي يخاف منها الإنسان أكثر، أن يحتاج إلى الآخرين في كل شيء، أن يحتاج إلى من يطعمه، ومن يلبسه، ومن يرافقه، ومن يراقبه، ومن يصبر على أسئلته، ومن يطمئنه حين يخاف، وكأنه عاد طفلًا، لكنها ليست طفولة البداية، إنها طفولة تأتي بعد عمر طويل، بعد سنوات من العمل والتعب والعطاء والإنجاز، بعد أن كان هو الذي يتحمل الآخرين، يأتي يوم يحتاج فيه إلى من يتحمله.

ربما أكثر ما يخيف الإنسان أن ينسى أحبته ثم ينسوه هم، لكن ماذا لو تذكرنا أن هذا الإنسان الذي أمامنا لم يكن دائمًا ضعيفًا، فقد كان يومًا قويًا، كان يحمل أبناءه، ويسهر عليهم، ويعمل من أجلهم، ويحلم لهم، ويخاف عليهم، كان أبًا، وكانت أمًا، وكان أخًا، وكان صديقًا، وكان سندًا لكثيرين، فإذا أصبح اليوم محتاجًا، فهل نتخلى عنه؟ هل يكون الحب موجودًا فقط حين يكون الإنسان قادرًا على العطاء؟ أم أن الحب الحقيقي يبدأ حين لا يعود قادرًا عليه؟
قد لا يعرف المريض اسمك، لكنه ربما يعرف صوتك. قد لا يعرف أنك ابنه، لكنه يطمئن عندما تمسك يده، قد لا يتذكر أنك ابنته، لكن وجهك قد يمنحه الأمان، قد لا يستطيع أن يقول أحبك، لكن شيئًا في داخله قد لا يزال يعرف معنى حضورك، لذلك لا تغضب منه لأنه نسي، لا تقل له: لقد أخبرتك بهذا من قبل، ولا تسأله بغضب: ألا تعرفني؟ فهو لا يختار النسيان، ولا يتعمد أن يؤلمك، هو فقط يفقد الطريق إلى الأشياء التي كان يعرفها.

وحين تنسى ذاكرته، كن أنت ذاكرته،
إذا نسي اسمه فاخبره، إذا نسي أبناءه احك له عنهم، إذا نسي شبابه حدثه عن أيامه الجميلة، إذا نسي إنجازاته ذكّره بما صنع، إذا نسي أصدقاءه احك له عنهم، وإذا نسي حياته كلها اجلس بجانبه واحك له حكايته، حتى لو لم يتذكر شيئًا، وحتى لو لم تعرف هل وصل الكلام إلى قلبه أم لا، افعل ذلك لأنك أنت الذي تتذكر.

وربما أصعب شيء في الزهايمر ليس أن ترى من تحب ينسى، بل أن تراه يتألم وأنت عاجز عن أن تفعل شيئًا، أن تقف أمامه وتتمنى لو تستطيع أن تدخل إلى عقله وتعيد إليه كل شيء، ضحكة أبنائه، بيته، أصدقاءه، طفولته، شبابه، أحلامه، كل تلك السنوات تريد أن تعيدها إليه ولا تستطيع.

وهنا قد لا يبقى لنا إلا شيء واحد، وهو أن نمسك يده، أن نجلس إلى جواره، أن نبتسم، أن نصبر، أن نكرر الإجابة، أن نعيد الحكاية، وأن نمنحه شعورًا واحدًا لا يستطيع المرض أن يسلبه، وهو أنه ما زال محبوبًا.

لا أحد يعرف ماذا تخبئ له السنوات، ولا أحد يعرف هل سيظل يتذكر كل شيء حتى النهاية، لكننا نعرف شيئًا واحدًا، وهو أن الإنسان قد يفقد ذاكرته، لكنه لا يفقد حقه في الحب،
وقد ينسى أبناءه، لكن أبناءه يستطيعون ألا ينسوه، وقد ينسى أصدقاءه، لكنهم يستطيعون أن يتذكروا صداقته، وقد ينسى حياته، لكن الذين عاشوا معه يستطيعون أن يحفظوا حكايته، وقد ينسى من يكون، لكن هناك من يستطيع أن يقول له: لا تخف، نحن نعرفك، نعرف من كنت، نعرف ماذا أحببت، نعرف ماذا حلمت، نعرف كم تعبت، ونعرف كم أعطيت. ونحن هنا، حتى لو لم تعد تعرفنا.

ربما في آخر الطريق، حين تتبعثر الأسماء، وتغيب الوجوه، وتنطفئ كثير من الذكريات، يبقى شيء واحد أقوى من النسيان، وهو الحب، فقد تخوننا الذاكرة، وقد تنسى الذاكرة أصحابها، لكن لا ينبغي للحب أن ينسى صاحبه.

وإذا جاء يوم فقد فيه أحدنا كل شيء من ذاكرته، فأتمنى ألا يفقد شيئًا واحدًا، وهو أن يكون هناك من يمسك يده ويقول له: أنت لست وحدك.


المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه

تويتر : https://twitter.com/shababeks_1

سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1

انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag

قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag

أنا لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

Exit mobile version