الكاتبة : منى السويدان.
بعض البشر يقضون أعمارهم كلها وهم يحاولون إشباع الرغبة، بينما الجوع الحقيقي في مكانٍ آخر تمامًا.
ولهذا ترى إنسانًا يحصل على ما كان يظنه الحل، ثم يكتشف أن الفراغ ما زال كما هو.
لأنه كان يعالج العرض، لا الأصل.
فالرغبة كثيرًا ما تكون رسالة لا غاية، وإشارة لا وجهة، وبابًا يقود إلى شيء أعمق منها.
ولهذا كان الحكماء ينظرون إلى الرغبات بحذرٍ مختلف.
فهم لا يتوقفون عند ما يطلبه الإنسان، ويحاولون أن يروا ما يقف خلف الطلب.
فقد يطلب الحب وهو يبحث عن الأمان.
وقد يطلب التقبّل وهو يبحث عن الاحتواء.
وقد يطلب السيطرة وهو يخفي خوفًا عميقًا.
وقد يتعلق بشيءٍ يظنه غايته، بينما تكون حاجته الحقيقية شعورًا بالاكتمال والانتماء والمعنى.
ومن هنا تبدأ رحلة الوعي.
حين يتوقف الإنسان عن مطاردة ما يريده، ويبدأ بالإنصات إلى ما ينقصه.
فليست كل رغبة دليلًا على الطريق.
أحيانًا تكون الرغبة نفسها أثرًا لجرحٍ أقدم منها.
ولهذا تستحق كل رغبة أن يُنظر إليها مرتين:
مرةً كما تبدو.
ومرةً كما تخفي نفسها.
فما يظهر على السطح ليس دائمًا ما يحدث في العمق.
فالنفس البشرية كثيرًا ما تتحدث بلغة الرغبات، في الوقت الذي تكون فيه حاجتها الحقيقية شيئًا أعمق بكثير.
كثير من الرغبات تبدأ من حاجةٍ إلى الحب، أو إلى القبول، أو إلى الشعور بالأمان، أو إلى إيجاد مكانٍ ينتمي إليه الإنسان في هذا العالم.
ومن هنا تصبح بعض الرغبات أحيانًا لغةً تحاول بها النفس أن تترجم احتياجات أعمق منها. فالإنسان قد يخطئ تفسير جوعه الداخلي. فيظن أن ما ينقصه رغبة، بينما الذي ينقصه معنى. ويظن أن بحثه عن الآخر بحثٌ عن الجسد، ثم يكتشف أن ما كان يفتقده هو الاحتواء.
وقد يركض خلف علاقة كاملة، بينما كان يبحث في أعماقه عن جزءٍ ضائع من نفسه. ولهذا فإن الحكمة لا تبدأ من ملاحقة الرغبة، وإنما من فهم الجوع الذي أنشأها.
فليس كل عطشٍ يبحث عن الماء. فبعض أنواع العطش تبحث عن نفسها.
وما يحدث في هذا العصر ليس ظهور الرغبات، فالرغبات قديمة منذ قِدم الإنسان. والميل إلى أشياء لا تنسجم دائمًا مع الفطرة أو الحكمة أو الدين أو حتى مصلحة الإنسان، ليس أمرًا جديدًا في تاريخ البشر. الجديد هو أن الإنسان لم يعد يرى الرغبة زائرًا يمر بقلبه، وأصبح يراها هويته ذاتها.
قديماً كان الإنسان يقول: لديّ رغبة.
أما اليوم فأصبح يقول: أنا هذه الرغبة.
وهنا يبدأ الالتباس.
لأن الروح شيء، والرغبة شيء آخر.
والإنسان أكبر من كل ما يعبر داخله.
فليس كل ما نشعر به يمثل حقيقتنا.
وليس كل ما نميل إليه يكشف جوهرنا.
وإلا لكانت لحظات الغضب هي حقيقتنا.
ولكانت الغيرة حقيقتنا.
ولكان الطمع حقيقتنا.
ولكانت كل نزوةٍ عابرة تعريفًا نهائيًا للذات.
ومن هنا يمكن فهم مختلف الميول والرغبات الإنسانية، بما فيها الميول الجنسية المثلية.
لا بوصفها جوهر الإنسان أو تعريفه النهائي، وإنما بوصفها واحدة من الحركات الكثيرة التي تعبر في النفس البشرية.
فالإنسان ليس غضبه، ولا خوفه، ولا غيرته، ولا شهوته.
وما يمر في الداخل ليس بالضرورة مرآةً كاملة لماهية الروح. فالروح أوسع من رغباتها، وأكبر من شهواتها، وأعمق من أي ميلٍ يحاول أن يحتكر تعريفها.
لكن مأساة الإنسان الحديثة أنه انشغل بالبحث عما يشعر به، قبل أن يعرف من يكون. وانشغل بتفسير رغباته، قبل أن يتعرف إلى ذاته.
وبين الأمرين مسافة تصنع الفرق بين الوعي والذوبان.
فالوعي لا يبدأ حين نصدق كل ما نشعر به، وإنما حين نتعلم الإصغاء إليه دون أن نذوب فيه.
وليست الحرية أن يتبع الإنسان كل رغبة. الحرية أن يفهمها.
وأن يعرف من أين جاءت، وإلى أين تقوده.
فالإنسان لا يضيع حين يشعر برغبةٍ ما. إنما قد يضيع حين يختزل نفسه فيها. وحين ينسى أن ما يمر داخله ليس هو بالضرورة.
فالرغبات تتبدل.
والأفكار تتبدل.
والمشاعر تتبدل.
أما رحلة الإنسان الحقيقية فليست البحث عمّا يشتهيه.
وإنما اكتشاف من يكون ! و عن حقيقة روحه …
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

