الكاتب : شاكر محجوب – @shaker_mahjoub
ما زال مسلسل التفريط في الكوادر البشرية المصقولة بالخبرة والتميز يعيد عرض فصوله المأساوية لبعض الشركات، في ظاهرة غريبة تعكس خللًا تنمويًا في إدارة الموارد البشرية.
إن هذه الكفاءات التي نضجت عبر سنوات من العمل الدؤوب والأداء المتفاني لا تمثل مجرد موظفين يؤدون مهامًا روتينية، بل هم يمثلون المستودع الحي للحكمة المهنية والذاكرة العميقة للشركات، وبخروجهم تسقط اللبنات الأساسية التي تضمن استقرار البناء وجودة المخرجات. فحين يتم تضييق الخناق على الموظف لصالح حسابات ضيقة أو ولاءات سطحية، فإننا نرتكب خطيئة كبرى بحق المستقبل، ونحكم على الشركة بالتراجع والبدء من نقطة الصفر في كل مرة، مما يبدد الوقت والجهد والمال.
والمثير للدهشة في هذا المشهد هو حالة التهميش المتعمد للموظف الكفء الحقيقي الذي يقدس الأمانة المهنية، في مقابل صعود فئات تجيد فنون الالتفاف والمداهنة؛ وكأن بعض الإدارات باتت تحبذ أولئك الذين (يلعبون بالبيضة والحجر) ممن يتقنون تزييف الحقائق وتسويق الأوهام، على حساب أصحاب المبادئ الذين لا يساومون على جودة العمل أو صدق الموقف.
إن هذا الانحراف في معايير التقييم، الذي يستبدل الكفاءة الرصينة بالمراوغة اللحظية، هو النتيجة الطبيعية لغياب التقدير الحقيقي وسطوة البيروقراطية الجامدة التي تخنق المبدعين وتفتح الأبواب للمتسلقين. وعندما يُختزل الموظف ذو الكفاءة والخبرة المهنية في أنه مجرد رقم وظيفي في كشوفات الرواتب يُستبدل بغيره في أي وقت، تضيع الذاكرة المؤسسية ويتبدد الولاء الذي هو أغلى أصل تمتلكه أي منشأة. إن الاستمرار في هذا النهج لا يعني خسارة أفراد فحسب، بل يعني تحويل بيئات العمل إلى مساحات طاردة للعقول ومنفرة للنزهاء، مما يهدد كيان الشركة في جوهره ويجعلها عرضة للانهيار أمام أول اختبار حقيقي.
ولوقف هذا النزيف، لا بد من اتخاذ إجراءات وقائية حاسمة تبدأ بإعادة صياغة أنظمة الرقابة والحوكمة لضمان عدالة التقييم بعيدًا عن الانطباعات الشخصية أو سياسة القوى المؤثرة. يجب تفعيل مواثيق أخلاقية تمنع تهميش الكفاءات، مع استحداث نظام حماية للموظفين يضمن وصول صوتهم للقيادات العليا دون وسيط.
كما يتحتم على الشركات بناء مسارات وظيفية خاصة بالأكفاء تمنحهم صلاحيات وامتيازات تعكس قيمتهم الحقيقية، مع ضرورة إجراء مراجعات دورية لأسباب الاستقالات أو التهميش داخل الإدارات، لضمان استئصال ثقافة تفضيل المداهن على المتميز قبل أن تصبح عرفًا مؤسسيًا يقضي على ما تبقى من طموح.
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
تويتر : https://twitter.com/shababeks_1
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

