Site icon مجلة شبابيك العالمية

صوت الصور .

الكاتبة : الجوهرة جربوع القفاري .

دخل أيمن حجرة صديقه أحمد وصوت عبد الحليم داخلها يردد : (لو أني أعرف أن الحب خطير جدا ما أحببت ، لو أني أعرف أن البحر عميق جدا ما أبحرت، لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت).
كل جدار من جدران حجرته رحلة عمر ، فالجدار الأيمن يحمل كمًا من اللوحات الفوتوغرافية لرحلاته من عام 2009 (إلى) 2015.
أما الجدار الأخر فقد وضع به إطارًا بمساحة نصف الجدار ، ووضع فيه صور كل من رحل ، وغاب ، صورًا لوالديه ، و أصدقائه و زوجته ، و بعض معارفة .
كلهم غادروا ، لم تبقَ إلا ملامحهم تختنق داخل هذا الإطار الذهبي .
أما الجدار الأخير، فليس به إلا بضع صورٍ لرحلاته في الأعوام الخمس الأخيرة . فتح أيمن الباب الزجاجي الذي كانت تغطيه ستارةٌ بيضاء خفيفة ودلف إلى الشرفة التي كان يجلس فيها أحمد كعادته ، يرسم الغيوم ، ويعد النجوم ، ويغوص مع عبد الحليم .
قال أيمن : أنا هنا يا فنان .
لم ينظر اليه أحمد وقال : أعلم، وهل هناك مزعجٌ غيرك يقتحم خلوتي؟ أجلس واصمت فليس لي مزاج للحديث .
جلس أيمن سريعاً على المقعد الخشبي أمام كرسي أحمد، وضرب على الطاولة الزجاجية، فسقط فنجان القهوة الفارغ إلا من بقاياها وشيء من الذكريات ! أخذ يتدحرج حتى أوقفه الباب الزجاجي ، ثم أكمل أيمن : لم ينكسر ، ارأيت؟ كله سليم ، فهل من الممكن تعطيني عقلك ، وسمعك لدقائق؟ .
فأنا لدي مشكلة ولن يحلها سواك ، نظر اليه أحمد وكأنه يقول : كل يوم أنت بمشكلة يا صديقي ، لكن أيمن أكمل وكأن الحروف تتسابق على لسانه : لدينا معرضًا مهمًا،وأريد عدداً من لوحاتك فأرجو أن تُسعفني فبعد غدٍ الافتتاح .
قال أحمد مندهشًا : غريب لم أسمع عنه . فقال أيمن مسرعًا: وكيف ستسمع وأنت لا تشارك في أي معرضٍ و لا تسمع إلا عبد الحليم ، وصوت النجوم؟ .
هيا إنهض واختر لي أربع لوحات، عجل يا صديقي فلابد أن تكون كل الأماكن ممتلئة ، ولدي أربع أماكن ما تزال فارغه .
نهض أحمد ولحق به أيمن ودخل إلى حجرةٍ صغيرةٍ بقرب حجرته . وبعد وقت اختار أيمن أربع لوحاتٍ عاد بها إلى حجرته. إخذ أيمن مفاتيحه ، ونظارته من فوق الطاوله ، وحمل الوحات ، وقال شكراً يا صديقي لقد أنقذت الموقف حقيقي لا أعلم كيف أشكرك .
قال أحمد مبتسماً : لا مشكلة يا صديقي أنا بالخدمة ، هل ستغادر قال أيمن دون أن ينظر إليه :نعم فما زال المعرض يحتاج لترتيب ، وقبل أن يخرج أيمن من باب الحجرة أوقفته صورةٌ كانت بقرب سرير أحمد بإطار فضيٍ مزخرف، وضع أيمن اللوحات) على السرير واتجه نحو الصورة وقال : أريد هذه .
التفت أحمد لصديقة الذي ظن أنه غادر ثم صرخ بصوت عالٍ : لا.. هذه لا هذه ليست للعرض .
وأسرع وأمسك بها .
نظر أيمن اليه باستغراب وقال : مابالك يا صديقي؟ أنها لوحة جميلة جداً تستحق أن تعرض، وأعتقد سيتوقف أمامها الجميع ، فقال أحمد مسرعًا : ومن قال لك أني أريد أن يتوقف أحدٌ أمامها ، هذه خارج إطار اللوحات .
لكن أيمن لم يتوقف عن إلحاحه، وطرح المغريات ، ثم قال أخر كلمة : صدقني هي ثلاثة أيام فقط وتعود اليك ، أرجوك إنها ستميز المعرض أرجوك لا تكسر رجائي ، فأنت كريمٌ ولم تبخل علي أبداً أرجوك .
بعد شد ومد وأمطارٍ من الرجاء، والتوسل، خضع أحمد بشرط أن تعود له ، حملها أيمن سريعاً خوفاً من أن يبدل أحمد رأيه ، وخرج وهو يقول : إن شاء الله فقط أيام العرض .
غادرت الصورة حجرة أحمد فأحس بشيءٍ أخذ منه ، شيءٌ نقص من المكان و زاد نبضات قلبه ، لكنه أخذ نفسًا عميقًا ، وخرج لشرفته ، مرت أيامٌ وبعدها أسابيع ، وأيمن يماطل بإعادة اللوحة ، وأحمد يصر على أن يرجعها ويذكره بوعده .
مرت أسابيع وأسابيع ولم تعد صورته .
دخل أحمد لمكتب أيمن وملامح الغضب والاستياء تعلو محياه ، ضرب بكفيه على المكتب وقال : أنت قلت لي أيامًا ومر أكثر من شهر أين اللوحةيا أيمن ؟ انتصب واقفاً، ليس فقط متفاجئًا من زيارة صديقه لمكتبه ، بل من غضبه وصوته العالي، فلم يره قط بهذه الحاله رغم معرفته به من سنين .
اقترب منه محاولاً تهدئته وقال : أيمن اهدأ يا صديقي ، صرخ أحمد بوجهه وقال : لن أهدأ ولا أريد أن أسمع منك كلمة ، فقط أريد الصورة الأن .
ولن أغادر إلا بها، هل تفهم ؟ ودفع بيد أيمن التي كانت تربت على كتفه .
بعد تردد من أيمن قال : حسنًا لكن كنت أريد منك فقط وقتًا لأبحث عنها .
نظر أحمد بدهشه وقال :
تبحث عنها أين تبحث ؟ و إلى أين ذهبت لتبحث عنها ؟ .
كل الحروف لم تسعف أيمن ثم قال : تعال معي أن شاء الله نجدها .
هذه الكلمة جعلت أحمد بلا وعي منه يضرب كتف أيمن بشدة وهو يقول : لن أسامحك أن فقدتها . و ثق أني سأفقدك. .
نظر أيمن له وقال : هون عليك، أمن أجل صورة تفقد صديقك ؟ قال بشده : نعم فأنا لا أصاحب كاذبًا .
أمسك ايمن بكف أحمد وسارا في الممر الطويل ثم دخل حجرة معتمة، أخذ يبحث عن زر المصباح وبعد ثوانٍ أشعل ضوء الحجرة الغارقة في الإطارات ، والصور ، والغبار ، وصوت أنينٍ أتٍ من داخل كل صورة ، ومن خلف كل إطار .
نظر أحمد لأكوام الصور التي يعلوها الغبار، ثم ينظر لصديقة وعيناه تكاد تخرج من محجرهما أهنا صورتي ؟ هنا دفنت أمل ، وروح وإحساس ، وحلم ، هل حقاً هنا صورتي ؟ لم يجب أيمن ، و أخذ يرمي باللوحات يميناً ، ويساراً ، ويدفعها بقدمه ، ويده ، وكأنه يرمي بعلب مياه فارغة !!
يا إلهي إلا يعلم كم من الوقت أخذ صاحبها ليكونها.؟.
كم من الإحساس سكب ليبرزها ؟ .
كم من الأفكار نسجت ليخرجها؟ .
وأخرها تدفع ، وتدهس ، وترمى ،
يا وجع وألم البشر من حماقة البشر.
لا يعلم أحمد كم من الوقت مر وهو غارقٌ في ضجيج مشاعره ، وأحاسيسه الناقمة ، و الرافضة . لكنه أفاق على صوت أيمن وهو يقول : وجدتها لكن لا مشكلة كسر إطارها ، ويبدو أن جزءًا منها قد تمزق .
أمسك أحمد بلوحته المكسورة الممزقة ،وكأن الوقت ، والمكان ، وحماقة البشر تسخر منه ، ومن ذكرى أجمل ما كان في الصورة . لقد كانت هنا خلف هذا العمود تقف ، شيءٌ منها بقي في هذه الصورة لكن كانت تصر أن تختفي، فاختفت تلاشت تمزقت ، حمل أحمد الصورة ، وغادر لم يتكلم ، لم يعتب ، لم يزد على مزاودات البشر ، غادر مع لوحته الممزقة المكسورة ، تاركًا خلفه أنات الصور ، وزفرات اللوحات التي دفنت بالتراب ، داخل حجرة صماء خرساء ، لا ضوء فيها ولا نفس .

_______________________________________

المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه تفضلوا بالمتابعة :

تويتر : Tweets by shababeks_1

سناب شات : https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19

انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag

قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag

لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

Exit mobile version