بقلم : بيان العطاس .
هي تدرك جيداً أنها تحب هذا المكان، ولذلك تزوره كثيرًا، الجميع يعلم ذلك، ولكن في نفس الوقت لا أحد يعلم شيئاً عن تلك الزهور التي تصر وفي كل مرةِ على أن تكون رفيق رحلتها.
لازلت أذكر اليوم الذي التقيت فيه بزوجتي منار لأول مرة قبل ثلاث سنوات.
كان ذلك أثناء زيارتي لأحد محلات الزهور من أجل شراء باقة لأختي في يوم تخرجها، لتخطف أنظاري تلك الفتاة التي تحمل بيدها باقة من زهور البنفسج ،التي اشترتها للتو.
لم تخطف منار نظري فقط يومها، بل أسرت كامل وجودي نحوها، حينما وقعت أنا رامي الذي كان دائمًا يسخر من أي شيء يتعلق بالحب، لكن ها أنا الآن قد وقعت في حب تلك الفتاة بالكامل، لا أعلم إن كان هذا هو ما يسمى بالحب، ولكني أدرك يقينًا أن منار كانت شخصًا لا يمكنني العيش بدونه.
منذ تعرفت على منار وحتى هذا اليوم لم يفارقها هذا “الروتين ” أبداً، فبعد شرائها لزهور البنفسج كانت تتجه إلى المتحف الخاص بتاريخ مدينتنا وتقضي بضع ساعات في التأمل في إحدى الصور بالمتحف، ثم تتجه بعدها إلى نافورة المدينة ،لتضع باقة الزهور على حافة النافورة.
وبسبب انجذابي الشديد نحو منار رغبت بالتعرف عليها بالكامل وأن أصبح جزءًا من حياتها، وقد نجحت بالفعل وأصبحت زوجاً لأجمل فتاة رأتها عيناي، وأصبحت أعرف كل شيءً عنها، من أصغر تفاصيل حياتها مثل طعامها المفضل وكل ما يضحكها ويحزنها، حتى أكبر تفاصيل حياتها من طموحاتها وأحلامها وأهدافها، حتى طفولتها وكل قصصها.
كل شيء إلا تلك الفترة التي اختفت فيها لمدة ثلاث سنوات كاملة من عام 2007م وحتى عام 2010م، لقد حاولت بكل جهدي أن أقنع منار لتشركني في تلك الفترة من حياتها وتخبرني بتفاصيل اختفاءها وما حصل معها، لكن دون جدوى حتى قررت احترام قرارها بالاحتفاظ بذلك الجزء من حياتها سراً.
فقد كنت أدرك جيداً أن ذلك لم يكن بالأمر السهل عليها نظراً لكونها لم تخبر أي شخصٍ إطلاقًا، حتى والدتها بالرغم من كل محاولاتهم التي كانت تفوق محاولاتي بكثير، لذلك إن كانت منار قد قررت الاحتفاظ بهذا السر وأخذه للقبر معها ؛ فسأحترم ذلك جداً، فمهما كان ما حصل معها في الماضي أنا فقط سعيدٌ بأنني التقيت بها ولوجودها في حياتي الآن ولن يغير هذا أي ماضٍ يمكن أن تكون قد عاشته.
وهذا يعتبر شيئاً غريبًا جدًا بالنسبة لي كوني ذلك الشخص الذي كان يحمل كل تلك الشروط فيما يخص الفتاة التي يجب أن أرتبط بها، بدأ بالمظهر وإلى تفاصيل شخصيتها، وحتى تلك التفاصيل المرتبطة بماضيها، ولكن كل ذلك تلاشى حين التقيت بمنار، وكأني أنظر إلى شخصٍ مختلفٍ بالكامل لم أعد أعرفه، لكني بالتأكيد أحببته أكثر، فهي تظهر أفضل ما بداخلي دائمًا.
مازلت آمل أن تشاركني منار ذلك السر حتى لا تتحمل أعباءهُ وحدها، ولا بد أن تلك الصورة التي تتأملها بالمتحف دائمًا، وزهور البنفسج تلك التي تتركها عند نافورة المدينة هي شيء مرتبط بفترة اختفائها لأنها لم تخبرني عن سبب تكرارها لذلك الروتين مهما سألتها حتى توقفت عن سؤالها وبدأت بمشاركتها في ذلك في كل أيام إجازاتي.
اليوم وبعد مرور 8 سنوات منذ عودة منار بعد اختفائها، ذهبت لملاقاة منار بالمتحف، وكالعادة كانت تقف أمام تلك الصورة وتتأملها لدرجة أنها تفقد إحساسها بكل العالم المحيط بها.
أستطيع أن أعرف ذلك لأني كنت أقف بجانبها بالفعل، لكنها لم تدرك بعد بأني هنا، فهي ما زالت تنظر إلى تلك الصورة، لقد كانت صورة غريبة بعض الشيء لامرأة يظهر أنها في الثلاثينيات من عمرها وتحمل بيدها طفلة، يبدو أنها ما تزال في عامها الخامس، لكن الصورة لم تكن غريبة بل الكلمات المكتوبة في أسفل الصورة، فقد كتب ” هذه الصغيرة كانت الدافع الأساسي والملهم الذي ساعدني حتى أصبحت إحدى الشخصيات المهمة في هذه المدينة، حتى إذا رأتنا والدتها بعد عدة قرون من الآن، ستصبح فخورة بنا جداً “، لقد كانت هذه العبارة غريبة جداً بالنسبة لي، وفي كل مرة أرى منار تتأمل هذه الصورة كنت أقضي وقتي في التفكير بكيفية ارتباط هذه الصورة بمنار.
وحين كنت أفعل ذلك اليوم قاطع سؤالها حبل أفكاري فنظرت لها بحيرة وطلبت منها أن تعيد سؤالها مجدداً، ليس لأني لم أسمعها من المرة الأولى، بل لأني أردت أن أتأكد بأن ما سمعته كان صحيحاً، وقد كان كذلك فعلاً، فقد سألتني منار ما إذا كنت أرغب بمعرفة ما حصل معها حين اختفائها، وبالتأكيد هززت رأسي موافقاً غير مستوعب بعد بأنها. ستشاركني بذلك الجزء من حياتها أخيراً.
رفعت منارُ يدها وأشارت للطفلة في الصورة وقالت: هذه الصغيرة هي آمال، إنها ابنتي.
تنقل بصري بين الطفلة في الصورة وبين منار وعلامات الحيرة تملأ وجهي فمن الواضح أني لم أفهم بعد ما الذي كانت تقصده، فعمر تلك الصورة كان 250 عاماً على أقل تقدير.
كسرت منارُ حيرتي وبدأت بسرد قصتها، قالت بأنها في عام 2007م حينما كانت تعبث مع صديقاتها في منطقة مهجورة وجدت نفسها فجأة في مكان مختلف بالكامل، في زمن مختلف بالكامل، بالتحديد في عام 1730م، لا تعرف كيف وصلت إلى هناك، حتى أنها اعتقدت في البداية بأن كل هذا مجرد حلم، ستستيقظ منه في أي لحظة، وحاولت العودة بشتى الطرق إلى زمنها دون جدوى حتى فقدت الأمل في العودة وبدأت بعيش حياتها هناك، كان ذلك حين التقت منار بأسوار تلك المرأة التي في الصورة، وشقيقها رشاد الذي أصبح فيما بعد والد ابنتها آمال، وحينما أتمت آمال العامين من عمرها عادت منار فجأة وأخيراً دون أن تعرف كيف إلى عام 2010م، وعادت حياتها إلى سابق عهدها مجدداً وكأن كل ما حصل في ذلك الزمن القديم كان مجرد حلم.
لقد استمعت بحرصٍ شديد إلى كل ما كانت منار تقوله حتى وصلت إلى ذكر رشاد وكونه والد ابنتها آمال، ولم أستطع التركيز على ما قالته بعد ذلك ولا حتى أن أمنع نفسي من توجيه السؤال التالي رغم إدراكي بكونه سؤالاً غير مناسبٍ في هذا الوقت، ولكني كنت أحبها كثيراً لدرجة أن ذلك السؤال كان مهما لي جداً.
فقلت لها: هل ما زلت تحبينه؟ هل تفتقدين وجود رشاد هذا في حياتك؟
نظرت لي منار بدهشة وكأنها تحاول معرفة ما إذا كنت جاداً بسؤالي هذا أم أنه كان مجرد سخرية، وعندما رأت كم كنت جاداً حتى بدأت بالضحك بالشدة وقالت: لقد أخبرتك للتو بأني كنت قد انتقلت لزمنٍ آخر وأن لدي ابنة وهذا هو أول شيء تريد سؤالي عنه !
وبعد لحظة قصيرة من الصمت قالت بأن ابنتها آمال هي كل ما يشغل بالها وكم كانت تفتقدها بشدة لدرجة أنها ستفعل أي شيء لتضم ابنتها مجدداً، كان ذلك حين أدركت حجم سخافة السؤال الذي قمت بتوجيهه قبل قليل، أن تفقد الأم ابنتها فجأة دون أي سابق إنذار وفي ذلك العمرِ الصغير، لا أستطيع تخيل حجم وقع هذا الحدث على حياتها، لا بد أنه كان مؤلماً جداً، لكن كل شيءٍ أصبح منطقياً الآن، لماذا كانت منار حزينة بالرغم من عودتها لعائلتها وحياتها بعد اختفاءٍ دام ثلاث سنوات، وكل تلك التصرفات الغريبة التي أظهرتها، لأنها كانت تفتقد ابنتها الصغيرة!.
إن منار الآن حامل بطفلنا الذي اتفقنا على تسميته خالد ، وبالرغم من أنه بقي شهر على الولادة لأصبح والداً بشكل رسمي، ولم أر وجه ابني بعد ولم أحمله حتى بين يدي إلى أني بالفعل قد أصبحت شديد التعلق به لدرجة أني لم أعد أستطيع تخيل فكرة الحياة بدونه، فكيف نجحت منار بتجاوز ذلك الفقد؟!
لقد قطعت لحظة الصمت مجدداً وقالت تلك الكلمات التي تمنيت أني قد قمت بتسجيلها حتى أستمع إليها دائما، قالت: حينما عدت إلى هذا الزمن كانت فكرة ارتباطي بأحدهم أو تكوين أسرة من سابع المستحيلات بالنسبة لي، لأن فكرة خسارتهم كانت ترعبني كثيراً، حتى قابلت شخصاً أحببته بشكلٍ كبير جداً لدرجة أنه قام بتحويل المستحيل إلى ممكن وتلاشى خوفي بالكامل في وجوده، وها أنا الآن سأصبح أماً لابنه.
ونظرت منار لبطنها ثم لي بابتسامة حنونةٍ وجميلةٍ جداً، يا إلهي لقد أخذت سؤالي السخيف ذلك بجدية وأجابتني عليه حقاً، اشعر بالسخافة حقاً لتوجيه ذلك السؤال واحمر وجهي خجلاً، لكني لم أندم على ذلك، بل كنت سعيداً جدا، لأن سؤالي جعلني أسمع هذه الكلمات التي سأحفرها عميقاً بداخلي ولن أنساها ما حييت.
نظرت منار لخالد الذي لا زال داخلها وقالت بأنها تريد أن تخبره بكل القصص عن شقيقته آمال، لقد ابتسمت لهذه الفكرة وتخيلت كم سيكون هذا جميلاً وأخبرت منار بأني أريد الاستماع إلى هذه القصص أيضا، ثم استوقفني فجأة ذلك السؤال الذي قمت بتوجيهه لمنار مباشرة، لماذا احتفظت بهذا الأمر سراً لمدة ثمان سنوات كاملة؟!
قالت بأنها إذا كانت هي بنفسها لم تكن واثقة بأن ما حصل معها كان حقيقةً وليس حلماً، فكيف ستتخيل أن يصدقها أي شخص آخر، ثم قالت بعد لحظة بسيطة من الصمت بأنها لن تتحمل فكرة أن يقول أحدهم أن وجود ابنتها كان وهماً من صنع ذاكرتها، لكنها الآن تدرك بأن وجود ابنتها كان حقيقة، فهذه الصورة أمامنا هي أكبر دليلٍ على ذلك، وأن وجود آمال سيتحول لوهم بصمتها فقط، لذلك قررت أخيراً كسر ذلك الصمت والتحدث عن ابنتها ليعرف الجميع بوجودها.
لا أستطيع وصف حجم سعادتي باتخاذ منار لهذا القرار، أنا فخورٌ بها جداً.
نظرت للباقة التي كانت ما تزال تحملها بيديها وسألتها عن سر أزهار البنفسج التي تضعها كل يوم فوق نافورة المدينة، ضحكت منار وقالت بأنها كانت تحب زيارة تلك النافورة كثيراً مع آمال وفي أحد المرات كادت آمال أن تسقط في المياه لأنها حاولت التقاط زهرة بنفسج كانت تطفو فوق الماء، خفتت ضحكة منار قليلاً وقالت بأنها وبختها بدل أن تلتقط الزهرة من أجلها، عادت ابتسامة منار وضحكتها مجدداً عندما بدأت بوصف مدى الحيوية والنشاط التي كانت تمتلكها آمال فقد تسببت بالعديد من المشاكل لمنار، حتى أنها تسببت بذلك الكسر في جدار النافورة الذي ما يزال ظاهراً حتى يومنا هذا.
لم أستطع تمالك ضحكتي حينما أدركت أن ذلك الكسر في الجدار والذي عقد كبار المدينة اجتماعاً عدة مرات ليناقشوا ما إذا كانوا سيقومون بتجديد الجدار أو تركه كما هو لأنه يحكي عن تاريخ المدينة، كانت قد تسببت به طفلة صغيرة! نظرت منار لي بتساؤل بعدها ،فتوقفت عن الضحك والتفتت لها وسألتني ما إذا كنت أصدق فعلاً كل قصتها التي أخبرتني بها للتو؟
لقد فاجأني سؤالها كثيراً، لأني لم أكن أدرك أني كنت قد صدقت كل كلمة قالتها منار بالكامل بدون أن أشك أو حتى أتساءل عن صحة أي شيء قالته.
متى حدث هذا بالضبط؟! .. متى تغيرت إلى هذه الدرجة لأصدق قصة تتعلق بالسفر عبر الزمن هكذا بدون أدنى درجة من التساؤل في صحتها؟!
أعرف جيداً كم أنا شخصٌ واقعي للغاية لأبعد حد، إذا أخبرني أي شخص بأنه قد انتقل عبر الزمن فسوف أسخر منه بشدة لآخر عمره، فهذه القصص هي مجرد قصصٍ بالنسبة لي ولا يمكن أن تكون واقعاً، فأنا لم أكن أصدق بأن الحب بحد ذاته حقيقة فكيف بالسفر عبر الزمن؟!
لكني مع منار أدركت بأن الحب كان شيئاً حقيقياً، وها أنا الآن أصدق فعلا كل حرف قالته منار عن سفرها عبر الزمن، لا أعلم لماذا لكني حقا أصدقها بالكامل، لا بد بأنه هو السبب، هذا الشيء المسمى بالحب هو السبب.
نعم هذا هو ما يفعله الحب، إنه كما وصفه شمسٌ التبريزي من قبل بكونه شيئاً يفسر كل شيء، ولا شيء يفسره.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه تفضلوا بالمتابعة :
تويتر :
سناب شات :
https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19
انستقرام:
https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك :
https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

