الكاتبة / شوق اللهيبي .
المكان قرية بدوٍ في الحجاز
الزمان : ١٩٥٥.
تحت شجرة فُل عظيمة تشابكت أغصانها حتى لم تدع لخيوط الشمس منسل إبرة لتنسل منه ، وزاحمت الهواء بعبيرها حتى لم تدع للأكسجين ذرة إلا وعطرتها ، تحتها طفلان يستظلان بظلالها ، تلُمُّ الصبيةُ الفل بيديها اَلْمُحَمَّرَتَيْنِ بالحناء ، وتضعهُ في جيب ثوب الصبي وتقول وعيناها تلمعان مثل جدولِ ماء اكتمل فوقهُ القمر : ضعهُ في جيبك يا ذياب ، ضعه حتى يُعطره .
وضع ذياب يده على صدره بعدما رفعت يدها ، يربتُ على الفُل في جيبه بتقدير ويتأمل الأرض مبتسماً ابتسامةً خفيفة سارحاً إلى غدٍ ليسَ ببعيد
وبجانبهِ الحسناءُ ( حسناء ) تلعبُ بالتراب ؛ طفلةً جميلة كأنها ظبية عربية تسرحُ في الفلاة
أخذت من الأرض قطعة حديد تعود لبقايا علبة صدئة ، لبستها في إصبعها ورفعت يدها تنظر إليها بزهو الطفلة المستعجلة أن تكبر.
نهض ذياب وامسك بيدها ثم أزال الحديدة رماها وأردف قائلاً وهو قاطب الجبين محمّر الوجنتين : إذا كبرنا يا حسناء سأشتري لكِ خاتم لكن من ذهب .
أخذت السنين تسير في زهو بينهما ، أشرقت في جبين حسناء شمسٌ واستظل من رموشها القمر ، حسينةٌ ؛ نجلاء العينين خفيفةُ القدّ ظليلةُ الخد عنقاء ، في ثغرها أينع الورد .
اشتد ساعد ذياب وباعد الوقتُ بين منكبيه أصبح شاباً يافعاً صلباً في عينيه تتقدُ الحماسة وفي وجهه كل علامات الفراسة بأنهُ الشهم ابن أبيه .
١٩٦٣
مجلس فيه جمعٌ من الرجال ورائحة الطيب فيه تزاحمُ رائحة البُن ، رجلٌ وقور متوسط المجلس متكئ على عصاته ، تُخالط اَلشِّدَّة اللين في وجهه يبادرهم قائلاً : نحنُ اليوم أتينا نُريد خطبة كريمتكم حسناء لابننا ذياب ولا نجدُ أحسن منكم ولن تجدوا أحسن منا .
يُجيبه رجلٌ آخر وهو مُطرق مُنصت لا يَقِلّ وقاراً وهيبةً عن الأول ، بياض لحيتهِ يؤازر سوادها على السماحة في وجهه : يُشرفنا يا أبا ذياب ولا أعز علينا من مجيئكم ولكن الفتاة مخطوبة
رفع رأسه ذياب أراد أن يتحدث ويعترض قاطعهُ والده : إذاً أختها هيا
أجابهم أبو حسناء بفرح : موافقين على بركة الله
أصبحت أصوات التبريكات بعيده ومشوشة ، والدنيا بدأت تدور في وجه ذياب وكأنه صُفع للتو ، شعوره باختصار مثل غريق يستنجد بمن أغرقه.
تغافل ذياب الرجال المُهنئين لوالد حسناء وفتح علبة خاتم الخُطْبَة تأمل الفُل بحزن أخذه ووضعهُ في جيبه ؛ يَعَضّ بأسنانه قهراً يكزُّ عليها يتصنع الابتسامة وهو يبلعُ الغصة .
بالجانب الآخر في مجلس النساء بعدما رحل الضيوف ، حسناء تشاهد أختها هيا تفتح هدايا الخطوبة
الأم بصوت خافت تقول لزوجها : لماذا قلت لهم بأن حسناء مخطوبة ؟
قال الأب : الأخت الكبرى تتزوج في البداية ومن ثم الصغرى
سمعتهم حسناء نهضت وذهبت لغرفتها وهي تكابدُ دموعها الوشيكة ، وتكتمُ لوعتها ، خافت أن تُبدي ضعفاً ، خافت أن تبدي رغبةً تمزقُ حياءها ، خافت أن تَنْطِقَ حرفاً فتنفجر .
( كان هذا عُرفاً سائداً في تلك الحقبة )
٢٠٢٠
مضت السنين تدوس على وجهيهما ، غيرت كل شيء؛ لكن لم تغير قلب الطفلين في داخل الأجساد الكبيرة ، شاخ على أثرها كل شيء إلا الحُب الذي استعصى عليه أن يشيخ ، الحب الذي استعصى عليه أن يصدأ .
شيخٌ وقور متكئ في الصالة يتصفح هاتفه النقال مرتدياً نظاراته
في قسمات وجهه التعب ، في وجنتيه وحول عينيه تَجَاعِيد من كثرة الابتسام،
دخل عليه شابٌ متأنقٌ : كيف حالك يا جد
ما رأيك أن تذهب معنا للسوق ؛ سوف أشتري هدايا عرسي
رفع الشيخ رأسه سائلاً غير مكترث : سوف تتزوج ابنة من ؟
الحفيد : أسيل بنت عبد الله
الجد : عبد الله من ؟
الحفيد : ياجدي عبد الله ابن حسناء ؛ أخت جدتي هيا
الجد : ما شاء الله تبارك الله
هيا إذا نذهب يا ولدي.
في محل الذهب والحفيد يختار هديةً لعروسِه
الجد يتأمل الخواتم سارحاً تعلو وجهه ابتسامةً خفيفة نظر إلى حفيده وقال : ضروري نشتري هدية لأمها وجدتها
قال الحفيد : ياجدي ليس ضرورياً أن اشتري لجدتها
قال الجد غاضباً مقطب الجبين محمّر الوجنتين : أول خاتم نشتريه لجدتها ، هذه من أبناء عمومتي دمها من دمي .
الحفيد : أبشر ياجدي
أخذ الجد يختار خاتماً بحماس الطفل الذي بداخله ، الطفل الذي شقّ رتابة العُمر وظهر فجأة
في محل تغليف الهدايا نزل الجد من السيارة
ومعهُ فُل قطفهُ من شجرة في فناء منزله
تغافل الجد حفيده وهو منشغل يختار ألوان التغليف اخرج الفل من جيبه ووضعه في إحدى العلب .
في منزل العروس.
غرفة بها امرأة وقورة كبيرة في السن رغم الكِبر لا يصعب على الرائي ملاحظة الجمال المختبئ خلفَ السنين التي مرت على هذا الوجه ، جالسةٌ تُصلي على السجادة ، بعد التسليم وإذا بحفيدتها واقفة فوق رأسها قائلة :
يا جدتي تفضلي هذه الهدية من خطيبي طارق قال لي بأن جده ذياب أوصى بها لك ويقول :
لن تتم هذه الزيجة إلا بموافقتكِ
أخذت الكيس وفتحته وإذا فيه ذهب وعلبة صغيرة فتحتها تناثر منها الفُل في حجرها نظرت إلى خاتم الذهب وبريقه في عينها يطفئ بريق القمر الغارق بدمعةٍ وحيدة تجمعت في عينها وصعُب عليها بعد كل هذا العمر الترجل و النزول .
حضنت الفُل بيديها اَلْمُحَمَّرَتَيْنِ بالحناء وضمتهُ إلى صدرها قائلة بصوتٍ مرتجف : أُشهد الله بأنك أوفيت بوعدك يا ذياب ، أشهدهُ أنك أوفيت .
( أحيانا يذبل الحب وهو يافع ، ويخبو وهو يتوهج ، وينتهي قبل أن يبتديء ، ويصدأ بالرغم من أنهُ ذَهَبٌ ، نقي ، خالص ؛ ولكنها عواملُ التعرية تنالُ من كل شيء ) .
_________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :
تويتر :
فيسبوك :
سناب شات :
https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19
قناة شبابيك :
https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار المنوعة الدخول : http://www.shababeks.com


كاتبة مبدعة جدًا، القصة رائعة 😭💙💙💙💙
اقراء النهايةوعيني مليئه بالدموع مبدعهههه❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️.
موطبيعي قد ايششش جميلل السرددد
مو قادره اتخطى جمال القصه😔❤️.
جميلههههه❤️’ربي يسعدك
من اجمل القصص اللي قرأتها😘😘
مدري كم مرا عدت القصه من كثر مااثرت فيني
مشاء الله تبارك الله على حلاوة القصه والوصف💕💕
طريقه ايصال القصه للقارئ رائعه
🤤💙💙💙💙
كلام يُلامس القلب من شدة روعته ودقته بالكلام ايصال للمشاعر بشكل الاارادي احس فاضت دموعي بالنهايه🥺❤️❤️❤️
شاعريه جداااا و مختلفه
وش أقول مؤثررررررررره 😭♥️♥️♥️ انتي مبدعه مبدعه مبدعه
ابداااااااع ربي يخليك👌🏻
قصه يتناثر فيها الاحساس كما تتناثر حبات الفل مبدعه كالعادة
جداً أحب كتاباتك رائعه ، ولامست قلبي كثيراً ، فالك الفوز
ي احلا من يكتب ي بعد عمري والله مبددددعه👌👌
ماشاء الله جميل استمري
ماشاء الله روعة استمري
من افضل الكُّتاب الي اقرا لهم حروفك مميزه مثلك💙
حبيييتتتتتتت ما شاءالله كلمة مبدعة قليلة بحقك ولا في كلمة تقدر توصف جمال كتابتك حرفياً 😭❤
حبيتتتتت 😭🤍
قصة بديعة ، ذُهلت من سردها الواضح والمتناغم في آن واحد .. عن عُمق الكاتبة ✨👌🏽
حبيييييتتتتت 🥺💛💛
إستمريي ي مُبدعهه
دائماً مُتألقة ياشوق
قصة جميلة ونهايتها اجمل استمري يامبدعة
باذخة
ماهذا الابداع ❤️
شميت ريحة الفل وانا اقرأ
جمالللل😭😭
تجننننن تجنننن تجنننن
القصه حلوه😭😭😭❤️❤️❤️❤️
يعجز اللسان عن الوصف الله يوفقك ياشوق فخورين فيك ❤️
مبدعه مبدعه مبدعه مبدعه
راااااائع
كاتبة عظيمة وربي
I am very proud of you
يا الله ياجمااااال القصة 😭😭😭
دايما مميزة ياشوق
🙏🏻💛
اتمنى لك التوفيق من اعماق قلبي
قصة رائعة متماسكة ممتعة من اول حرف الى اخر حرف استمري ياحلوه 🌸
كلام موزون ابداااع 👌🏻
كاتبة متمكنة ماشاءالله
اول قصة اقرأها ومو الاخيرة ان شاء الله حبيت القراءة والله 🙏🏻
كأنها فيلم او سكيتش او برمو مسلسل جممممممممممميله وربي
( أحيانا يذبل الحب وهو يافع ، ويخبو وهو يتوهج ، وينتهي قبل أن يبتديء ، ويصدأ بالرغم من أنهُ ذَهَبٌ ، نقي ، خالص ؛ ولكنها عواملُ التعرية تنالُ من كل شيء ) .
ختمة مذهلة ❤️
اسلوبك مره جميل💙
الله عليك
من أجمل القصص الي قريتها 🖤
شاعريه جداً وعميقه
فكرة القصه جميله جداً استمري
متألقه يا شوق القصه جداً جميله
حببتيني بالقراءه مره
استمري في كتابتة القصص ابهرتيني جداً
الله الله عليك يا شوق
فنانه
موهبة تستحق الإشادة
يعجز اللسان عن المديح مبدعه كما عهدناك دائما
١١؛١١
مبدعه
دائماً تبهريني
اختيار المفردات جميل 👍🏻👍🏻
يعجز اللسان عن التعبير م شاء الله تبارك الله مذهله جداً
ولكنها عوامل التعريه …
يا جمال الوصف
ابهرتيني
اسلوبك مميز
اسلوبك مميز
احب اقرا لك كتابات
الله عليك