Site icon مجلة شبابيك العالمية

*وهج الشعرية و صوت الحنين*

الكاتب : صالح الحسيني

قراءة نقدية في ديوان الشاعر ماهر الرحيلي(*): ” *في سكون الليل”*_

بينَ يديّ أُمسكُ بديوان شعري لشاعرٍ شاب كتب تجربته مع الحياة و آلامها أدباً، و خط أبياتهُ و هو يعي وقع الكلمة و قيمتها في الشعور ؛ تأملت قصائده فوجدتها تحمل أبجدياته الفنية و رغبته الملحة في إنضاج موهبته/عشقه ، و كذلك تحمل قوافيه العذبة المستقاة من ثقافته القرائية لهذا الفن الإنساني الرقيق ؛ فهو أولا ً: المؤهل علميا ً في كيفيات صياغة فنه و مدارسه و اتجاهاته ، و المحب لهذا الفن ثانياً.

هو ديوانهُ الأول ، و قد حفل بعددٍ من المتوهجات شعراً ، و ترك بين طيات أوراقه دمعات لم تجف لصدقها و قربها ممن سكبها من أجلهم.

أولُ ما وُضِعَتْ عليه يد الذائقة هذا البيت من قصيدة:

*( طيبة الطيبة )*

، هو أبدع صورته ثم وزنهُ فقفّاه و أجيءُ هنا لأنثرهُ من بعد شعر ، و لأُبين مكامن الجمال و الشاعرية فيه:

كلما جدَ رحيلٌ

شبَ في قلبي فتيل

قطعاً؛ لا يٌلامُ الُمحِب لـــ ( المدينة ) في عشقها بعد امتلائه بحبها، و هنا يُبدي الشاعر أسفه، و ألمه في كل حالِ سَفرٍ تضطره الحياة ليكونه، و يُصوّر لنا حُرقتهُ مبتدئاً بـ ( كلما )؛ تفيد شمولية جميع أسفاره، و الاستمرارية في الشعور باللوعة ( لا يودُ السفر ) لانشباب جذوة ( الحُب ) ؛ حب المكان بكل ماضوياته الجميلة في ذاته الشاعرة، و حاضرته المعاشة؛ هُنا الرابط عاطفي و شيج، تمتزج معه معاني ألفة ضاربة في أعماق الشاعر، نشاركه حبها فكأننا هوَ؛ إذن: هو ( الحب ) المقرون بالرغبة الصادقة بالبقاء

كلُ شمس ٍ لم تَطلعْ

منكِ يغشاها الأُفول ..

هذا البيت يتعالق في المعنى مع بيتٍ شعري لحسن صيرفي – رحمه الله – ، و هو أحد الشعراء السعوديين المعروفين ( ت.1428ه).

حين يقول:

أنا إن بدد الزمانُ شُعاعي

لن ترى النور هذه الأرض بعدي

و المضمر النسقي هنا في بيت الشاعر الشاب ، و الشاعر الشيخ هو: شمس الإسلام التي أشرقت لها الأرض بنور ربها و ملأت كوننا الإنساني سكناً و طمأنينة.

غنّت الوُرقُ لكِ نشوى يحيّيها النخيل

هنا رمزٌ عريضٌ و جميل يشيئ بالبيئة الزراعية للمدينة و يحيلنا إلى صورة مزارعها و أوديتها

و تكاثر النغم في بساتينها حين التأمل في جملة ” غنّت الوُرقُ ” .. و” يحيّيها النخيل “.

*وقفة:*

فالمدينة منذ القدم – مُنذُ يثرب بن عبيل – عُرفت بأنها واحة زراعية، مما جعلها دائمًا موطنًا للهجرات المختلفة، بل و كانت الزراعة أهم مظاهرها الاستثمارية ؛ فقد تهيأت فيها ظروف طبيعية معيْنة على ازدهارها زراعيا ً، ففيها الموارد المائية من: آبار، و من الماء ما تمتلئ به أوديتها التي تقطعها من جميع جهاتها في مواسم المطر كأودية: العقيق ، بُطحان ، قناة ، و من الظروف: تربةٌ على قدرٍ من الخصوبة ، مستمدة من الرواسب البركانية التي تجرفها السيول من الحرّات المحيطة بها جنوباً و من مشرق شمسها الجنوبي ؛ فالشاعر هنا ببيتٍ شعرٍ واحد من قصيدة يختصر لنا بعض تضاريس المدينة لينبئ ” مثل خبير” بأماكن الزراعة فيها ؛ كتلك البقع المتناثرة في أحيائها كقباء و قربان و العوالي و العيون و الجُرف و العنابس، و عرصات العقيق، و غيرها، و ما نبت فيها و ما ينبت – كما هو معروف – من النخيل و البساتين الغنّاء.

إن الشعرَ بمعناه العام ليس فناً إنسانياً فحسب ؛ بل رؤىً و حيوات ، و صور و خيالات و تثقيف..، و من ذلك تصوير البيئة و تقريب ( زومها ) كجزء من الانتماء و الحب.

أنتِ قُدسٌ يلمسُ القلبَ

لهُ سِحرٌ جميل

تجلت هنا في روح الشاعر استحضاره لقداسة المكان ؛ فأرضها تفوح بالعطر الأبدي من مواطئ سيد الخلق – صلى الله عليه و سلم – ، و القلب – في الشطر أعلاه – يشمل بمعناها المفتوح كل قلبٍ يُسبغ الله – جل في علاه – عليه نور الهُدى وطمأنينة اليقين ؛ فبمجرد ملامسة القلب لمعنى سبب علو مكانتها و ماضيها و تاريخها المجيد ، و موقعها في قلوب الناس – إلى يوم الناس هذا – تسعد الروح و تمتلئ حباً وشوقاً لها.

إنَ رِزْقاً منكِ يُجنى

ما لهُ رِزْقٌ مثيل

هُنا يُحيلنا الشاعر إلى شيءٍ من القبَس النبوي المبارك عن فضائل المدينة: ” المدينة خير لهم …. “.

و أنَ فيها الضعفين من البركة.

****

*صوت الحنين :*

قصيدة: *( أبي )*

نستشعر النظر بوضوحٍ إلى صور شعرية معبرة بدأها الجمال في شطر بيتها الأول:

لهبُ الحياةِ يلوُحُ في آهاتِهِ

عانى أذاها و امتطى عزماتهِ

و ترى عِظامَ همومنا في ناظريهِ

قد اكتسى أضعافها بحياتهِ

ثم يعود الشاعر في قصيدة: *( سيرة رجل )*

إلى تمجيد هذا الأب الذي خلّد ذكرى استنطقت مشاعره الرقراقة حتى جعله في شعرهِ أباً أمثولةً تعتز بها الذات الشاعرة ، نود أن نقول عن آبائنا مثل ما يقوله كلما استدعينا ملامح تقدم السن المنبثة من خلال التجاعيد المباركة في وجوههم ..

فيهِ الرجولة عبرَ تاريخ ِ يُجل

ما بينَ حلوٍ أو مريرٍ تكتمل

شيخٌ تراهُ الآنَ يُوقنُ أنهُ

في أيِّ حينٍ قد يكونُ المُرتَحَلْ

في عُمقِ عينيهِ حياةٌ حُرةٌ

تُروى لأحفاد البنينِ و لا تُمل

فقدَ الحليلة بعدما تركت لهُ

بنتين في عينيهما نظرُ الوجِل

وبنوه لم يسعد بهم إلا وقد

دفن الأوائل منهمُ ضمن الأمل

حياة ٌكاملة نقرأها في خمسة أبيات مُجتزأة ، و جاء عنوان القصيدة مناسباً تماماً لوحدتها الموضوعية المتسلسلة

و في قصيدة *( الأربعاء الحزين )*.

يتغنى بشاعرية حانية و بعاطفة متشوقة لنبع الحنان و دفء الحياة فيذكر أمهُ بفخرٍ مستحق:

و الدار دونكِ كالطلول رسومها

لكنها بأريجكِ .. فيحاءُ

من كُلِ رُكنِ طافَ فيهِ خيالُكِ

تفِد الشجونُ وكُلُهنَ رجاءُ

و قصيدة أخرى عن أمه أيضا” ًعنوانها : *( سلام القلب )*

سلام الله يا قلبي عليها

و حُباً خالصاً أُهدي إليها

فإن حبيبتي يا قلب جودٌ

يسيل العطفُ من وادي يديها

و يُحيلنا الشطر ” يسيل العطف من وادي يديها ” إلى طفولة الشاعر يوم أن تحملهُ و تلاعبه ، و من ثم عطفها عليه في غُلمته و حتى انشداد عوده ، و لا يزال يشعر بهذا العطف السائل حتى لحظة كتابة القصيدة و ما بعدها..

و له فيها بيت محلق من قصيدة ثالثة يبين عجزه عن ذيْعِ مشاعر ابنٍ تجاه حبهِ لأمه:

إن كُنت أنظمُ فيكِ إحساسي فكم

حِس ٍ قديمٍ لم يُذع بالصوتِ

و مع قصيدة جاءت بعنوان *( خمسٌ وعشرون )*

كتبها الشاعر الرحيلي قبل أكثر من تسع سنين حسب التاريخ الذي ذُيلت به و هو 9/ 1/ 1423هـ نتذكر الأديب السعودي الشاعر غازي القصيبي – عليه رحمة الله – حيث كتب قصيدةً قريبة منها عنونها بـ:

*” حديقة الغروب “* حينما وصل السن الخامسة و الستين

كلا القصيدتين بدأتا بالسن

خمسٌ و عشرون ..

خمسٌ و ستون ..

و انتهتا بالابتهال إلى المولى – جل شأنه – بطلب المغفرة و كان لهما نفس البحر و الوزن و القافية

يقول ماهر:

خمسٌ و عشرون بانت دون إخطار

و ألهبت في حنيني نار أشعاري

خمسٌ و عشرون راحت ما شعرت بهاو ما بقي من صداها غير أخبارِ

……

يارب إني أبوء اليومَ معترفاً إني أهاب الردى و سيلهِ الجاري

……

أخاف فيه من ذكر هدّام اللذائذ خوفاً يستوي في إعلاني و إسراري

خمسٌ و عشرون راحت يا ترى هل بها من صالح الفعل ما يُزجى لغفارِ

و يقول غازي في قصيدته: ( حديقة الغروب )

خـمسٌ وسـتُونَ.. في أجفان إعصارِ

أمـا سـئمتَ ارتـحالاً أيّها الساري؟

أمـا مـللتَ مـن الأسفارِ.. ما هدأت إلا و ألـقـتك فـي وعـثاءِ أسـفار؟

…..

يـا عـالم الـغيبِ! ذنبي أنتَ تعرفهُ و أنـت تـعلمُ إعـلاني .. و إسـراري و أنــتَ أدرى بـإيمانٍ مـننتَ بـه عـلي.. مـا خـدشته كـل أوزاري

أحـببتُ لقياكَ حسن الظن يشفع لي

أيُـرتجَى الـعفو إلاّ عـند غـفَّارِ؟

***’

الشاعرية و الأسلوب الفني في الأبيات أعانت على إظهار القصيد بمظهره اللائق به من عاشق مُحب لهذا الفن يستعمله كلما جابهته الحياة في حزنه و فرحه و سره و نجواه.

و نقف على الدرجة الثلاثين من سلم حياة الشاعر مع قصيدته *( في وداع الثلاثين )*

نشتمُّ في بيتها الأول رائحة أريج أبي الطيب المتنبي ، فها هو شاعرنا يقول:

حان الوداع فكلهم يتأهبُ

قلبي و عمري و الزمان الطيبُ

مثل هذا البيت يشيء بأن الشاعر يُكبر في ذاته شاعر العربية المتنبي ، فلكلمة ( الطيبُ ) مضمومةَ لذة في اللسان ذات نُطق ، و لها وقعٌ آسرٌ عندما تُلقى على المسْمع بجودة ، و كثيراً ما رأينا كيف أن أبا الطيب يستعمل هذا الروي الجميل في فنه.

أيامُ عمري صرنَ في ذراتها

كيتيمةٍ في القوم ودعها الأبُ.

و من الشاعرية مزيداً يذكر فنقف ننظر في النجم مع شاعرنا الجميل:

في قصيدة *( النجم الصامت ) :*

سألتُ النجم عنكِ فلم يُجبني

و قد كانَ الرفيقَ و خير عونِ

……

ألا يكفيك ِ أني في هواكِ

أُعاني كتمه بالرغم عني

و أيُ نجم ؟! إنها ( نجمة الُمحِب ) .. ضياؤه الذي فيه يناجي فؤاده فيبثهُ ألمَ بعدهِ ، و تزيد عذاباته حين يعاني منها بصمتٍ دون أن تشعر به، و قد وضع لها صفة العلو لبعد المنال حتى قال في أبياته الأخيرة:

أُعلقُ فيكِ آمالاً و إني

لأعلم أن منها ما يُعني

و إني أغبط الخالين حولي

على القلبِ السعيدِ المُطمئنِ

و كأن الُمحِب على لسان شاعرنا يقول لنجمته آآه .. كم أنتِ بعيدة ..

*( الأمل الجديد )*

معزوفة حب أخرى، و قد قدّم لها الشاعر بقوله: صارحني بحبه لها .. و كانا يأملانِ أن يكونا زوجين ؛ يصور لنا الشاعر لسان حال المحب تجاه من يحبها حين يقول:

فإني من هواكِ أكاد أخطو

على السُحب… و أحضنها بزندي

قصيدة *( يا فاتناً )*

لله ِ يومٌ كنتِ فيهِ .. صباحُهُ

و مساءهُ و الشمسَ و الشُهُبا

تصوير بديع مكثف لاحتواء الفاتن لشاعره، و نلمح أن الشاعر جاءَ ببيتِ الشعر بطريقة عذبة جميلة ، تفيد أن الفاتن مستمر في دورة حياته ؛ فكرره في يومين متتالين المقصود في هذا التدوير دوام افتتانه به ؛ ذلك يتضح لنا حينما نتأمل ” صباحهُ.. مساءهُ ( هذانِ نهار و مساء اليوم الآني )

ثم ” الشمسَ .. و الشُهباء ( الشمس هنا نهار اليوم الثاني ، الشُهباء هنا مساء اليوم الثاني )، و تستمر دورة الحب و العشق ثم الشوق ..؛ أي استمرارية افتتانه في معشوقهِ ، و انحصار زمنه فيه لتأثيره و تملكه لوجدانه، و ربما لتملكه لكل لحظات و ساعات يومه عاطفةً.

*( الشوقُ المُضني )*

أُنظر بعيني تلقَ ما تعنيه لي

و الشوقُ أولُ ما ينمّيه النظر

الحكمة تظهر من جديد في ومض القصيد ؛ فهُنا مصافحة لبيت من تراثنا الأدبي مر في البال أعانني على استحضاره البيت السابق:

و إذا نظرت إلى محاسن ِ وجههِ

أبصرتَ وجهُكَ في سناه غريقا

*( الماضي السعيد )*

هنا يتغنى الشاعر بماضي أيامهِ فيخلو لحظةَ تغنّيه به ؛ بفؤاده يبث له النجوى المكنونة ، و لم يكن ممن يرى أن الذكرى الأنيسٌ الملول بل يشعر بلهفةٍ لتلك الأيام:

لم أدرِ معنىً للسعادة

غير معناها لديك

طفلٌ يحنُ لأمهِ

و أنا أحنُ لراحتيك

ترى هل وصل الشاعر في تغنيه بماضيه إلى درجة الحب / العشق متجاوزاً بذلك منطق الأنس بالذكرى فقط كالمعهود لدى البشر؟! و نجد جزءًا من مسببات ذلك في البيت:

فيهِ ضريح هوىً لنا

تسقيه دمعاتي الرحيمة

و هنا تظهر ( صورة العشيقة ) لتملأ حاضر الماضي المُستدعى جمالاً و عذوبة ؛ لكن هذا الجمال كُفنَ بمسحةِ حزن فعلته كلمة ” ضريح ” ؛ الفرح و الحزن معا” ًجاءا هنا كتوأم من صمت:

لو ترجعين لتنظري

كم غيّرته بي السنين

تلقين حبي صار كهلاً

لا يكف عن الحنين

صورة شعرية جديدة ، ذات ألق و بريق يتوهج في المشاعر نراه بوضوح تام في قول الشاعر:

” صار كهلاً ..

لا يكف عن الحنين ”

بعد كل هذا نرى أن الشاعر حدد عنوةً لون غلاف الديوان الذي جاء مصبوغاً بكامله باللون الأسود في سمائهِ قمرٌ يرمز للوحدة و الحزن ؛ كما أنَ اختيار العنوان ناسب زمنية الليل التي تكثر فيها النجوى الحزينة لخلو الذات من شغل الحياة ، و انفراد النفس بالشجن ؛ هذه كلها جاءت رامزةً لأبياته، و مضامينه الشعرية المتوهجة ، و الحنين ، و أن الديوان يقول قبل أن نقرأه و حين التأمل في غلافه بأننا سنجد هنا حرفاً حزيناً ، أو ربما أنَ ” ليس هناك ما يبهج ” من أخبار حياتهِ سوى موسيقى الشعر العذب للشاعر تصرفنا عن الأحزان التي تأكل القلب حتى لا نشعرها.

_____________________________

(*) شاعر ، و أديب ، و أكاديمي سعودي ، من مواليد المدينة المنورة عام 1398هـ ، دكتوراه في الأدب العربي – الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة ، له عدد من الدواوين الشعرية ، و الأبحاث العلمية في الأدب العربي، و بعض الإصدارات الأدبية.

_________________________________________

المحتوى أعلاه تم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :

تويتر

فيسبوك :

https://m.facebook.com/138707346321569/photos/a.138711732987797/440611296131171/?type=3&source=44&refid=17

سناب شات :

https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19

قناة شبابيك :

https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag

لمزيد من الأخبار المنوعة الدخول : http://www.shababeks.com

Exit mobile version