الكاتب – صالح الحسيني – المدينة المنورة
قراءة في ديوان ( فتنة البوح ) للشاعرة نادية البوشي
( الديوان الحائز على جائزة أبها الثقافية للإبداع الأدبي 1430هـ ) .
مُبتدأ: تُعد ظاهرة عَنْوَنة القصائد و الدواوين الشعرية “إضافة جديدة لنسيج الإبداع الشعري”(1) كما يقول الشاعر و الناقد عبد الله سليم الرشيد في كتابه: ( مدخل إلى دراسة العنوان في الشعر السعودي ) ، و هي- كما يُضيف – “من دلائل وعي الشعراء بتكامل الإبداع الفني، ابتداءً من العنوان الذي صار في رؤية الشاعر الحديث : الخطوة الأولى في التواصل مع المتلقي، و هو في نظر النقاد من أهم عتبات النص”(2).
و من مُنطلق أن العنوان بالمعنى اللغوي : ” ما يُستدلُ بهِ على غيره ” ، كان لزاماً على الأديب حين الشروع في تقديم كتابة إبداعية: ( شعر ، نثر ، قصة ، رواية ، مقال ، أو دراسة .. إلخ ) أن يقوم بعنونة نصه كمدخل تقديمي سواءً كان هذا العنوان : إنشائياً، أو رمزياً، أو اسمياً، أو تأملياً .. ؛ و هذا العنوان يعبّر عن جزء من فلسفة الأديب و ثقافته ؛ وقد دأُبَ الشعراء منذ عدة عقود – عند الحديث عن الشعر – على العناية بعنونة قصائدهم .”و كان لظهور هذه العناية بالعنونة مُسببات عدة منها: التأثر بنماذج الأدب الغربي حيث يُعد العنوان أساسياً فيها ، و تلاقح الثقافات بين الشرق و الغرب ، و تحوُل المتلقي من مستمع ٍ إلى قارئ” (3)، و تأتي العنونة أيضاً حين يقع الأديب “تحت تأثر الذوق الجديد”(4) ، “و قد يكون لإلحاح الأديب على الذات أثرٌ في الصياغة الشعرية للعنوان ؛ فجاءت عنونة القصائد عند بعضهم “جزءًا من الانفعالات و التجارب الذاتية” (5).
و البعض الآخر خرج فيها عن ضوئية الشعرية ؛ و من تلك : قصائد المناسبات ، و الإخوانيات ، و القصائد التي علاها اسم أو وُجهت إلى شخصية معينة ، أو مكان ، و من الشعراء من يُعين القارئ على استشفاف المعنى/ القيمة .. قبل قراءة النص ، و بعيداً عن المباشرة ، و بلغة شعرية تستحث الذائقة للمُضي قُدماً في النص المكتوب.
و في ديوان الشاعرة نادية البوشي : ( فتنة البوح ) الصادر حديثا ً، و الحائز على جائزة أبها الثقافية للإبداع الأدبي لعام 1430هـ من حيث ما يتعلّق بفنية العنونة ؛ تعدُدٌ في ضروب العنوان ، و أساليب رسمه ، و ثمة تمازج في صياغة عنونة قصائده ، و تراكيب الجمل المكونة له.
و عندما حاولنا إسقاط تصنيفات ضروب العنونة على هذا الديوان وجدنا أنه حوى عدة أنواع و أساليب في وضع العنوان ؛ فالقصائد ذات العناوين: ( من ذاكرة الموت – في عاتيات القيود – في عيون الخطيئة – خطيئة الشعراء – غيث الأمل – محاق الأمومة – مقصلة الذكريات – أرجوحة الحب – أشلاء حلم – شهقة روح ) جاءت تحمل أسلوباً خاصاً هو: أسلوب ( العنوان التأملي )؛ فكانت هذه العناوين المشار إليها تحمل – كما يتضح – : صدىً لنفسٍ قلقةٍ حزينة ؛ باعثة على التأمل في تركيبة العنوان و على مشاركة الشاعرة من قِبل المتلقي بالوقوف على فهم العنوان و محاولة استشفاف المعنى قبل ملامسة النص .
أسلوب ( العنوان البديعي ) :
و يتمثل هذه النوع من ضروب العنونة في ديوان ( فتنة البوح ) في القصائد التالية : ( وهجٌ حبيس – بريقُ الرماد – نبضٌ مبتور ) ؛ هذا الحضور الظاهر للبديع في هذه العناوين صيغَ على أحد الفنون البديعية، و البديع هنا جاء متمثلاً في ( الطباق أو المقابلة ) و فيه حِلية لفظية مُستحسنة ؛ يعمد بعض الشعراء على صياغتها ؛ – و يرى الرشيد – : ” أن الشاعر الذي يتلمّس الطباق أو المقابلة إنما يحاول بذلك إتمام جمال كوني قائم على التضاد المتكامل .. و كأنه بذلك يتناغم بإبداعه مع هذا المظهر الكوني ” (6) ، و أرى أنه قد جاء عنوان قصيدة: ( بريقُ الرماد ) كأجود العناوين في ديوان البوشي ؛ لأن هذا العنوان جاءت الصورة فيه مثيرة ، و مشحونة بالعاطفة ، و مشيرة في الوقت ذاته إلى تداعيات نفسية أجلى العنوان شيئاً منها.
أسلوب ( العنوان بالوصف ):
هذا الأسلوب جاء في قصيدة ( بائعةُ الحناء ) و هي قصيدة قصيرة جدا ً تمثلت في مقطعين قصيرين يصفانِ مُعاناة إنسان :
في ظل ِ المئذنةِ اتكأت
غمست أطراف أمانيها
في قولِ الله..
من غائرِ حزنٍ أنهكها سألت:
من أين تجيء بضحكتها ..؟؟
فتهاوت ..
أضغاث ُ حياة ..!
يحمل هذا الأسلوب في هذه القصيدة :وصف مؤثر لمشهد إنساني لم يمر على ذاكرة الشاعرة مروراً عادياً ؛ فارتأت نقله من خلال الشعر ، و جاء يحمل مشاعر إنسانية كبيرة في مساحة صغيرة.
أسلوب ( العنوان بالرمز ):
و القصائد التي جاءت عناوينها على هذه الطريقة هي: ( حيرة – قراءة – ضجر – صمت – رؤيا – بوح – أوبة – قلق – توسلات – مُخاض – طيف – صدى – أسماء – الرحيل – وجوه – ظلال – أسئلة ) ، و هذه العناوين – بحسب العرف النقدي – تُعتبر من أعلى أنواع العنونة لاتساقها مع لغة الشعر ؛ فدلالة القصيدة ذات الرمز المفرد في مثل : .. ضجر .. حيرة .. صدى .. طيف .. قلق .. تستدعي جزءاً من المعنى الذي يتبيّن للقارئ عند اكتمال قراءة القصيدة ، و فيه مفتاح يساعد على سبر غور النص الشعري و بالتالي التفاعل معه ، فالقصيدة : فعلٌ وجداني، و القراءة الُمتأملة : انفعالات أكثر وجدانية .
أسلوب ( العنوان / الوزن ):
و قد تجلّى هذا الأسلوب في عنوان قصيدة ( فداكَ الجُرح .. لن أشكو ..! ) جاءَ هذا العنوان موزونا ً ، و ربما كان سبب مجيئه بهذا الشكل هو سيطرة الحس الإيقاعي على الشاعرة و قد تكون قد حاولت أن يكون ( العنوان كاملاً ) في متن النص فلم تجد له مكاناً متمكناً داخل القصيدة ؛ لكنه يشيئ بحالة الشاعرة الانفعالية لحظة الشعور برغبة الكتابة.
كذلك عنوان قصيدة: ( حينَ جفَ الرحيقُ ) لم يخلو من الوزن فجاء كأنه جزء من شطر من هذه القصيدة نفسها المعنونة بهذا التركيب.
( الأسلوب الإنشائي ):
جاء هذا الأسلوب جليا ًفي قصيدة: ( ربما أضغاث )؛ حيث يتضح فيه وجود الاستفهام و التساؤل و يعد مدخلاً جيداً لتحليل النص لإثارته للانتباه و انتظار الإجابة، و يحمل أيضاً معنىً للحيرة إزاء أمرٍ ما ..؟! ، يؤرق فكر الشاعرة فأرادت بهكذا عنوان أن يشاركها المتلقي البحث فيهِ .. ، و جاء يحفز على القراءة الدقيقة .
أسلوب ( العنونة بالقصيدة ): و هذه الطريقة جاءت بها الشاعرة في القصيدة الأولى من الديوان ؛ فكان لها العنوان: ( فتنة البوح … سر الغواية ) و هو ما اختارت جزءاً منه ليكون عنواناً لكامل الديوان: ( فتنة البوح ) ، و كما يبدو جاء هذا العنوان العريض كأنه: قصيدة مُستقلة ؛ مليءٌ بتدفقات تعبيرية و تصويرية ، و فيه تنتفي التلقائية و التسطيح في العنونة ؛ فهو عنوانٌ مُربك ، كثيف اللفظة ، يستدعي الوقوف و التأمل ملياً.
*****
أما ما يخص ( مفردات الألم الشاعرية في الديوان ) و هي الجزء الذي أشرنا إليه في عنوان هذه القراءة ؛ فقد توافرت في العديد من القصائد ؛ كذلك في صفحة الإهداء أيضاً تجلت هذه اللغة بشاعرية عالية ، حيث يتضح ذلك عندما نتأمل فنستشعر تأثير عبارة :(… و غيابا ً ) في صفحة الإهداء الذي تقول فيه الشاعرة مستهلةً ديوانها:
“إلى قناديل روحي ..
المتوهجة حضوراً و غياباً “.
عبارة : ” .. و غياباً ” نقيض حضوراً ؛ فالإنسان العزيز على القلب و الحاضر أمام أحبائه لا ألمَ في حضوره مُطلقاً ، و الوهج المتوزع في صدور أحبته هو من أجله ، و مبعثهُ : أُنسهم بهِ ، و البهجة تكتمل في لقائه ، لكنَ من يتوهج في ذواتنا بغيابه لا نملك أمام تذكرهِ سوى الإطراق بالصمت ، أو ربما ملَئَنا غيابهُ شجناً تفضحه دمعة ذات انزواءٍ عن عيونٍ أخرى .
إن التألم لغياب عزيز عنوان الذات الإنسانية و ما فيها من ودٍ و نقاء و حكمة.
حصر هذه المفردات، و التركيب الأليمة في هذا الديوان، و التعبير عنها؛ يحتاج إلى بحث مستقل، و قراءة ناقدة متأنية ؛ تكون نافذة إلى صميم العمل الفني الكثيف، و هنا نورد تعداداً موجزاً فقط لبعض تلك المفردات و التراكيب ذات الشاعرية العالية ، مع الإشارة إلى عنوان القصيدة :
ففي قصيدة ( فتنة البوح … سر الغواية ) نجد مفردات الألم في الجُمل الآتية:
للحرف لون فواجعي و مواجعي ..، و حكاية الأنفاس.. ، لذةً للمُتعبين..، هديلُ نرجسةٍ تيبس خفقها …. ، في عروق الجرح .. ، إني أزيز الجُرح في صدر الورق.
و في قصيدة ( وهجُ حبيس ) نجد : و تآكل السنوات يُفزِعُني … ، .. من المساءِ إلى المساء .
و من قصيدة ( أرجوحة الحُب ) : و كِسرة وصلٍ … ، ترُد الحياةَ إلى الُمتعبين..
و في قصيدة ( قراءة ): ماااااا أطول الدرب .. نحو السرااااب.
و في قصيدة ( ضجر ) : لا ثمّ غيرُ تناسخ الأوهام ..
و من قصيدة ( بوح ): لا تنتظر حفنةً .. من ثناء ..
و في قصيدة ( غيث الأمل ): إذا صال في القلب طيف جحود ..، و إذ تتمادى الشجونُ بقلبي ..
.. و يضطرم اليأسُ بين الجوانح … ، فأشربُ جرحا ً..، و أمضغ جمراً .. ،
و تختال بين الضلوع الجراح..
و من قصيدة ( من ذاكرة الموت ): .. الموت يقينٌ نشربهُ .. من كأس الوقت
أتوكأ ُمنسأة التسليمِ .. ، أُدثرُ آهاتي صبرا ً ..
و من قصيدة ( نبضٌ مبتور ): شيدتُ قصريَ المرمري على ضفةِ الأخيلة
و من قصيدة ( خطيئة الشعراء ): يااااشعر كم أشقيتنا …. ،… ، غذاؤنا الحسرات و الآهات
نمضغها و نلقف جمرة المعنى …. ، ..، … ، بحة الحزن
و من قصيدة ( حينَ جفَ الرحيقُ ): .. و اسقني بدل الظن ِكأس العتب ..
ومن قصيدة ( ربما أضغاث): .. يجوسون جرحي … يدسون فيهِ .. دواءً زِعافا.
*****
نادية البوشي و كما يلاحظ القارئ من خلال شاعرية مفردات ديوانها ( فتنة البوح )؛ تمتلك حساً أدبياً رفيعاً، و تتمتع بثقافة شمولية عالية، و مخزون لغوي و معرفي كبير، و موهبة شعرية حقيقية ، و قدرة مميزة
على توظيف هذه الموهبة لخدمة النص.
شاعرة جعلت الهم الإنساني أرضية لمعظم قصائدها, و قد استطاعت خلال مسيرة إنتاجها الشعري المقروء أن تُطوع الكلمات لتخرج لنا في النهاية مثل هذه الإبداعات الناضجة التي استحقت التميز في أكثر من محفل ، و ما جائزة أبها ، و القراءات النقدية – المقدمة في ملتقى العقيق الرابع 1431هـ – عن هذا الديوان ، و رغبة و زارة الثقافة و الإعلام آن ذاك – كما قرأت – في ترجمة بعض نصوص الشاعرة إلى لغات عالمية أخرى إلا دليل على هذا التميز ؛ هذا بالإضافة إلى تميز الديوان مادةً و إخراجاً ، الذي يُشكر عليه كلٌ من الفنان التشكيلي، و مصممة الغلاف، و دار المفردات، حيث جاء العمل فيه تكاملياً أخرج لنا مطبوعة تستحق المقتنى.
مُختتم :
إن ما نرمي إليه من خلال هذه القراءة – في جزئها المتعلق بالعنونة – أن تكون هذه الآراء التي قُدمت عن أساليب عنونة ديوان القصائد المشار إليها – بعد الرجوع إلى عدة مراجع – حافزاً لدراسات أدبية ، و قراءات أدق، و أعمق في فن وضع العناوين ، على أمل أن تضيف للمكتبة العربية شيئاً من السمو بالأدب ، و الحمد لله رب العالمين.
الإحالات:
1 – عبد الله سليم الرشيد ، ( مدخل إلى دراسة العنوان في الشعر السعودي ) ، نادي القصيم الأدبي ، ط1 ، ص5.
2 – المرجع السابق ، ص 5.
3 – المرجع السابق ، ص 11.
4 – المرجع السابق ، ص 11.
5 – المرجع السابق ، ص 15.
6 – المرجع السابق ، ص 38.
إشارة:
فتنة البوح ( ديوان شعري ).
نادية صالح البوشي.
دار المفردات الرياض ، ط1، 1430هـ.
تصميم الغلاف : غيداء حويكم.
لوحة الغلاف : للفنان التشكيلي محمد مظهر.
يقع الديوان في نحو ( 126صفحة ) من القطع المتوسط.
مراجع للاستزادة في دراسة العناوين في الأنواع الأدبية:
1 – عبد الله سليم الرشيد ، مدخل إلى دراسة العنوان في الشعر السعودي .
2 – محمد عويس ، العنوان في الأدب العربي.
3 – عبد الرحمن السماعيل ، العنوان في القصيدة العربية.
4– طه وادي ، جماليات القصيدة المعاصرة.
5 – شفيع السيد ، قراءة الشعر و بناء الدلالة.
6 – مسعد العطوي، الرمز في الشعر السعودي.
_________________________
(*) شاعرة ، و أديبة سعودية، من مواليد محافظة العلا ، عضو مجلس إدارة نادي المدينة المنورة الأدبي 1432.. ، طُبع لها ديوان: “فتنة البوح ” 1430هـ ،و ديوان “بما يستجد من تأويل ” 1436هـ.
المحتوى أعلاه تم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :
تويتر :
فيسبوك :
سناب شات :
https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19
قناة شبابيك :

