بقلم : شوق اللُهيبي .
للوقت هيئات مختلفة يتخذها تنكراً؛ كي يزورنا ويلقي علينا التحية , قد تكون زياراته على هيئة تجاعيدٍ حول عيون من نحب، أو صدعٍ في جدارٍ شهدنا يوم بنائه و كبرنا ونحنُ نتكيء عليه، و ها هو الآن يحتضر ويتفطر ويميل وآن للجندي المرابط خلف ظهورنا أن يستريح، أو ربما يتشكلُ كفسيلة نخل صغيرة جداً، كُنا نلمسها بأطراف أصابعنا و هاهي الآن عملاقة تفوقنا طولاً وحجما، تدفعنا بجذعها الغليظ كلما أردنا احتضانها .
للوقت صوت وشكل ووقع أيضاً , أستطيع لمسهُ أحياناً في الرسائل القديمة , وسماعه أحيان أخرى في صوت أحدهم يتحدث عن ذكرى عزيزة؛ وأراه في عينيه ألماساً وزئبقًا، يتبلور ويتكتل ويتساقط مثل النجوم في ليلةٍ قمرية تُثير الأشجان والحنين، وأشمهُ في زجاجات العطر الفارغة، يصرخ على جدران الزجاجة وكأن الصدى يعبثُ بالرائحة القديمة ويبعثها من جديد كلما استسلمت للتلاشِ .
للوقت أحلاماً يُعيدها لنا على الهامش، وأوهاما نتعايش معها وكأنها الحقيقة، وتنهيدةٌ يجتمع بها الزمهرير والسمَوم في آن واحد . وعينان جاحظتان يُحدق بهما تجاهنا طوال عمره الذي لا ينتهي، وليس لنا حيلة سوى أن نقضي جُل حياتنا نركض ونندب الحظ ونصرخ ونشتكي، من عدم وجود متسعٍ من الوقت كي نحيا كما نحب . لا الشباب يبقى , ولا الجمال ، ولا الأحباب ، لطالما قايضنا وسلبنا أغلى مانملك كلما تقدمنا بالعمر ؛ على الرغم من خزائنه التي لا تنفد أبداً من الدقائق والساعات والأيام والشهور والسنين الطويلة جداً .
لكننا كائنات ضعيفة الحيلة لطالما بطشت بنا الأشياء التي لا نراها منذ بداية التاريخ إلى هذه اللحظة وهي تفتكُ بنا ; فأخذنا نلعن ونسخط من كل شيء لا نفهمه ولا نعرف كيفية ترويضة وإخضاعه لمصالحنا . نحن البشر الذين امتطينا كوكب الأرض وطوّعناه لاحتياجاتنا , عجزنا عن مقاومة الهرم والضعف، والذبول والموت . فالفقير يردد دائماً تلك الأمنية الأزلية قائلاً : أطال اللهُ عمر المدير ,والمدير يردد : أطال اللهُ عمر الوزير , والوزير يردد: أطال الله عُمر الأمير .
وفي النهاية على أعناقهم يمشي الوقت بقدرهِ المرير؛ فيُدفن الأمير وبجانبهِ المدير والوزير وحتى الفقير , والوقت باقٍ ويُحدق بصمت يراقبُ عجلة الحياة .
_________________________________________
المحتوى أعلاه تم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :
تويتر
فيسبوك :
سناب شات :
https://www.snapchat.com/add/shababeksglob19
قناة شبابيك :

