Site icon مجلة شبابيك العالمية

«جَرَسْ البَاب»

الكاتبة – حنان مصطفى فهمى

تجلس كل يوم على تلك الأريكة،، تعد الثوانى الآتية من ساعة الحائط التي تدق مثل ناقوس الخطر ، وكلما تزداد الثوانى تقل معها الساعات المتبقية لها من الحياة.. فلم تصبح كسابق عهدها،، فقد كانت يوماً ما تنظر من تلك الشرفة لترى كل البساتين الشاسعة وتذكرت عندما كانت تلعب منذ الصباح وحتى المساء دون تعب ، لم تكن تصدق أنَّ الزمن سيأخذ منها كل ما أسعد طفولتها ويتحوَّل اللون الأخضر إلى بيوت وعمارات لا عدد لها .. تسأل نفسها كيف بالشباب أن يمر والسنون تجري مثلما جرت قديماً وأخذت معها زوجها الذى لم تعرف قبله معنى أن تكون أجمل امرأة فى العالم ، لأنه لم يكن في عالمه أيّةَ نساء غيرها، سرحت بخيالها وتمنَّت.. آهٍ لو يعود الزمن من جديد أو يتقدم لتذهب لحياة أخرى تلقاه فيها ولو لحظة واحدة تتذكر فيها كل أيام تلك السنين التي عاشتها معه قبل أن يلقى حتفه تحت تلك الشاحنة اللعينة ، نعم مازالت تتذكر تلك اللحظة التي قتل فيها زوجها وحبيبها تحت عجلاتها..وهو الذى جعل أعوامها الخامسة والستون بعده جحيما لا يحتمل..وسرحت للحظات هل لوعاد بها الزمن كانت ستغير من القدر وتمنع زوجها من الخروج في هذا اليوم المشئوم؟ وهل كان سيظل معها باقى عمرها يجلس بجانبها وينظران معاً من تلك الشرفة.. وفجأة يدق جرس الباب ! لحظة من فضلك أيها الطارق ، قالت ذلك له لترتب المكان الذى مرت ربما خمسة أو سبعة عقود لم تفتح بابها لزائر قط ، إلا ابنها وفلذة كبدها الذى يأتى إليها كل صباح بدراجته لزيارتها والإطمئنان عليها، بعد أن اصبح “جداً” مصطحباً حفيده معه ليجلس مع جدته الكبيرة، فلولاه لما عاشت لحظة على قيد الحياة من الجوع ..نعم الجوع ..جوع الأُنسَة .. فتحت الباب بصريره المدوىَّ يصطحب معه غبار السنين و قالت بحماسة كبيرة : تفضل يا بُنيّ .. ولكن هذه المرة وجدت فتاة تقف أمامها جميلة الطلة بشعرها الذهبى الذى يٌغطى ظهرها وكأنه سلاسل من الذهب، وكانت لاتزيد في العمر عن عشرة أعوام.. سألتها من أنتِ ؟! أجابت الفتاة وهي مبتسمة أنا أمنية وماذا تريدين يا أمنية؟ سألتها بصوتها المهتز وظهرها المنحنى على عتبات السنين، وجسدها النحيل الذى يرتعش بعدما تقدم العٌمر.. أجابت الفتاة أنا أمنية تمنيتيها انتِ وتحققت لقد أتيت لأعود بك الى الماضى لتمنعى زوجك وحبيب العمر من النزول في تلك اللحظة المشئومة، ووضعت الفتاة شرطين أولهما، ألاَّ تخبره بما سيحدث له والثانية أمامك فقط أربعة وعشرون ساعة .. استعجبت العجوز وأخبرتها انها توافق على الشرطين..وسألتها كيف سيكون ذلك؟! فطلبت منها الصغيرة الجلوس على الأريكة وأن تغمض عينيها .. وبالفعل قامت بهذا..وذهبت في سبات عميق..لتستيقظ على أصوات العصافير والطيور وضوء الشمس الساطع في جميع أرجاء المنزل..فتسرع إلى الشرفة لتجد الحقول الخضراء والأشجار أمامها.. وتلتفت على صوت من خلفها لم تسمعه منذ أعوام طويلة.. حبيبتى لقد جهَّزت لكِ اليوم الإفطار كى لا ترهقى نفسك فأنت في شهورك الأولى من الحمل ويجب أن تستريحي وتعتني بنفسك وبمولودنا القادم .. انها تتذكر جيداً أنها أصبحت عجوزا في السابعة والثمانون من عمرها تسرع إلى المرآة وتنظر لتجد نفسها عادت للثانية والعشرون من العمر.. ..فتعود لزوجها وتشكره وتوجَّه له الحديث لا أريدك أن تتعب ألاَ يكفيك ما تعانيه بالعمل طوال اليوم دون راحة…. وتجلس معه على الطاولة ويتناولان معا الإفطار ويتبادلان أجمل الكلمات وعبارات الحب ..و يرتدى ملابسه للاستعداد للذهاب إلى العمل.. ويودعها مقبَّلا يدها ليذهب إلى حال سبيله .. وهنا بدأ الوقت يجرى .. بقى من الزمن عشرون ساعة أسرعت الي المطبخ لتجهَّز الغداء وتقوم بترتيب المنزل وتجهيز البخور الذى اعتادت أن تجهَّزه لحبيبها حين يعود.. ويمر الوقت ويعود الحبيب إلى زوجته وتفتح له الباب وهي في قمة جمالها وسعادتها بوجوده ليجد المبخرة تمتلئ بالبخور الذى يملأ المكان برائحة العنبر والغداء ينتظر على الطاولة فيأخذها بين ذراعيه بحنان ويقبل جبينها ويديها ويخبرها أنها ملكة أحلامه وحبيبة العمر ويجلسان لتناول الطعام، وهنا يخبرها أنه ذاهب اليوم للعشاء عند والده فهو فى حاجة إليه على وجه السرعة ، وهنا تتذكر أنَّه موعده مع الموت ..فهو خرج ليذهب لوالده وهو في الطريق وعندما كانت تنظر من الشرفة لتودعه وهو يعبر الطريق دهسته تلك الشاحنه الضخمة تحدثت مع نفسها .. كان يجب ألاَّ يذهب ولكنٌّه لم يعتاد أن تمنعه يوما أن يذهب لوالده من قبل.. لابد وأن تجد حجة تمنعه من النزول بدأت تفكر.. ولم تجد غير أن تدعى التعب و أنَّه لابد أن يقوم بإحضار الطبيب لأن الجنين لا يتحرك في بطنها.. وبالفعل قالت له ذلك..فذهب سريعاً وأحضر الطبيب .. وتم توقيع الكشف الطبى عليها واخبرها الطبيب أنَّ حركة الجنين جيدة ولكن لابد لها من الراحة والاسترخاء.. وعندما خرج الطبيب من الغرفة طلب من زوجها أن يعطيها دواء يجعلها تنام فقد لاحظ توترها وطلب منه أن يذيب لها الدواء في العصير لأنها ترفض تناول الأدوية حرصاً على الجنين .. وبالفعل نفذ الزوج ماطلبه الطبيب وأحضر الدواء وقام بصنع العصير لها وأذابه فيه دون أن تشعر .. وأعطاه لها وهي مطمئنة أنه سيبقى بجانبها ولن يذهب لوالده.. لأنها قررت إذا حاول النزول فستقوم بإدعاء الألم وهي تعلم مدى عشقه لها وبذلك ستضمن بقاؤه معها وتمر تلك اللحظة اللعينة.. ولكن تأثير الدواء كان أقوى فذهبت في سبات عميق.. واستيقظت على صوت باب المنزل يغلق فهرعت إلى الشرفة لتجد زوجها يعبر الطريق ومن الناحية الأخرى تهجم الشاحنة عليه لتدوسه بعجلاتها ليلقى حتفه فيغشى عليها، ومن هول الصدمة راحت فى غيبوبة ،إلاّ أنّ قوتها جعلتها تستيقظ من جديد وتفيق على صوت جرس الباب فتذهب ببطئ لتفتحه فهى لم تكن تعلم أن تلك اللحظة ستكون آخر لحظة لها فى الحياة ، وفارقت الدنيا قبل أن تعرف من كان بالباب؟!

حنان مصطفى فهمي..

المحتوى أعلاه تم نشره عبر حسابات المجلة ادناه تفضلوا بالمتابعة :

تويتر :

فيسبوك :

https://m.facebook.com/138707346321569/photos/a.138711732987797/440611296131171/?type=3&source=44&refid=17

قناة شبابيك :

https://www.youtube.com/user/shababeks

Exit mobile version