الكاتبة: د. غادة ناجي طنطاوي
ghadahtantawj@
ليست كل قصص الحب تبدأ بلقاء وتنتهي بفراق. فبعضها يولد في المسافة، وينمو بين الكلمات، ويظل معلّقًا في ذاكرة صاحبيه كأنهما لم يلتقيا إلا ليكتشفا استحالة الوصول.
هناك أشخاص لا يدخلون حياتنا ليشاركونا تفاصيلها، بل ليكشفوا لنا عن أجزاء من أنفسنا لم نكن نعرف بوجودها. وربما كان حب فرانز كافكا لميلينا واحدًا من تلك الاستثناءات التي تجعلني أسأل: هل نحب الإنسان كما هو، أم نحب ذلك الجزء الخفي من أرواحنا الذي يستيقظ حين نلتقي به؟
لم تكن بداية الحكاية بداية حبٍّ عادي، ولا كان لقاؤهما يشبه تلك اللقاءات التي تجمع قلبين في مكان واحد. لقد بدأت برسالة، وكأن القدر أراد أن يمنح رجلًا اعتاد الاختباء خلف الكلمات، امرأةً تستطيع أن تقرأ ما لا يقوله.
كان كافكا رجلًا يعرف كيف يكتب عن الخوف، لكنه لم يعرف كيف يتحرر منه حين أحب. وكانت ميلينا امرأة استطاعت أن تقرأ ما وراء كلماته، لكنها لم تستطع أن تمنحه الطمأنينة التي كان يبحث عنها ويخافها في الوقت نفسه. وبين رجلٍ يخشى الاقتراب، وامرأةٍ تحاول فهم ابتعاده، وُلد حبٌّ لم تكن المسافات وحدها عائقًا أمامه، بل كانت النفس البشرية بكل تناقضاتها.
في عام 1920، بدأ بينهما حديثٌ لم يكن يشبه الأحاديث العابرة. كان يحبها، لكنه كان يخاف الحب بالقدر نفسه. يريدها قريبة، ثم يرتبك من فكرة أن تصبح قريبة أكثر مما يحتمل. يتوق إلى حضورها، ويخشى أن يكتشف في الحضور عجزه عن أن يكون رجلًا عاديًا، قادرًا على الحب دون أن يحوّل مشاعره إلى معركة مع نفسه.
في إحدى رسائله كتب قائلًا:
“لن تستطيعي البقاء معي، فأنا سيئ، بائس، لا أصلح للعلاقات.. صامت طول الوقت.. انطوائي، كئيب، متذمر، أناني وسوداوي. أقضي معظم الوقت محتجزًا في غرفتي.”
لترد عليه ميلينا قائلةً: «حتى لو كنت جثة ملقاة في العالم، فأنا أحبك».
بعض الحب لا يبدأ بلمسة يد، ولا بنظرة عين، بل بجملة يكتبها أحدهم في آخر الليل، فيكتشف الآخر أنه كان ينتظرها طوال عمره. ربما لم تكن ميلينا المرأة التي استطاعت أن تنقذه من عزلته، لكنها كانت المرأة التي جعلته، ولو لبعض الوقت، يشعر أن هناك من يعرف الطريق إلى عزلته.
لا أعرف إن كان كافكا قد أحب ميلينا، أم أحب ذلك الشعور النادر بأن هناك إنسانًا واحدًا في هذا العالم يستطيع أن يقرأ صمته. ليست كل الحكايات التي لا تكتمل حكايات حب فاشلة؛ بعضها يظل حيًّا لأن الواقع لم يمنحه الفرصة الكافية ليستهلكه.
لكنني أعرف أن بعض الرسائل لا يكتبها أصحابها كي تصل، بل كي لا يموت ما عجزوا عن قوله في داخلهم.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

