الكاتب: عبدالله بن عبيد اليوبي.
متى يتوقف الإنسان عن امتلاك أفكاره، وتبدأ أفكاره في امتلاكه؟ وهل تظل الفكرة وسيلةً لفهم العالم، أم يمكن أن تتحول مع الزمن إلى سلطةٍ تتحكم في عقل صاحبها، وتحدد له ما ينبغي أن يراه، وما يجب أن يرفضه، حتى قبل أن يتأمله؟ لعل أخطر ما يحدث للعقل ليس أن يخطئ في التفكير، بل أن يفقد قدرته على اكتشاف خطئه، وأن يبلغ من الاطمئنان إلى قناعاته حدًا لا يعود معه مستعدًا للسؤال عنها.
يبدأ الإنسان حياته الفكرية متلقيًا ما يحيط به من أفكار ومعتقدات، ثم تتشكل رؤيته للعالم من تجاربه ومعارفه وما ورثه عن بيئته. ومع مرور الزمن، قد تتحول بعض تلك الأفكار إلى جزءٍ من هويته، فلا يعود يميز بين ذاته وما يعتقده. فإذا خالفه أحد في رأي، شعر كأن الخلاف موجه إلى شخصه، وإذا ظهر دليل يناقض قناعته، بحث عما يدفع به الدليل بدلًا من أن يسأل نفسه عن صحة ما يؤمن به.
وهنا تبدأ المفارقة؛ فالإنسان الذي صنع أفكاره ليسترشد بها، يصبح أسيرًا لها، وتتحول من أدواتٍ للتفكير إلى حدودٍ تمنعه من التفكير خارجها. وكلما واجه رأيًا مخالفًا، أضاف إلى قناعاته القديمة مبرراتٍ جديدة، حتى تتراكم الأفكار ككرة ثلج تكبر مع الزمن، ويزداد معها عجزه عن رؤية ما وراءها. وقد يتغير العالم من حوله، وتتسع المعرفة، وتتبدل المفاهيم، بينما يظل هو واقفًا في الموضع نفسه، معتقدًا أن ثباته دليل على امتلاكه الحقيقة.
غير أن الثبات على المبدأ ليس هو الجمود الفكري؛ فالمبدأ الذي يستند إلى وعيٍ ومعرفة لا يخشى السؤال، أما الفكرة التي لا تستطيع البقاء إلا بمنع السؤال عنها، فإنها تكشف عن هشاشتها مهما بدا صاحبها واثقًا منها. وليس مطلوبًا من الإنسان أن يغيّر أفكاره كلما تغير الناس، وإنما أن يحتفظ بحقه في مراجعتها، وأن يدرك أن الاعتراف بخطأ فكرة لا يعني سقوط قيمته، بل قد يكون دليلًا على نضج عقله.
ولعل أعظم ما يمكن أن يبلغه الإنسان من حرية فكرية أن يستطيع الوقوف أمام قناعاته كما يقف أمام قناعات الآخرين؛ يسألها، ويفحصها، ويقبل منها ما يصمد أمام العقل والدليل، ويتخلى عما يتبين له خطؤه، دون أن يشعر أنه فقد شيئًا من كرامته.
فليست الحرية أن يمتلك الإنسان أفكارًا يدافع عنها، بل أن يظل قادرًا على التفكير فيها، وألا يسمح لها بأن تصادر عقله. فما أشد غرابة أن يصنع الإنسان الفكرة بعقله، ثم يمنحها سلطانًا يمنعه من استخدام ذلك العقل نفسه.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

