الكاتبة: زينب النجار.
منذ أيام، جلستُ مع بعض الأمهات يتحدثن عن التنمّر في المدارس، فإذا بالحديث يتجاوز سخرية الأطفال بعضهم من بعض إلى ما هو أعمق وأقدم.
ما من امرأة منهن إلا وتحمل في صدرها كلمةً قيلت لها يومًا، ولم تستطع السنوات أن تمحو أثرها.
حدّثتني إحداهن عن امرأة جميلة، اتخذ زوجها وحماتها من شعرها وملامحها وجسدها مادةً للسخرية والمقارنة، حتى تسللت القسوة إلى أبنائها، فسمعت من يقول لها: «أولادك قبيحون مثلك».
سبع سنوات تحمّلت فيها الإهانة خوفًا من الانفصال، فهي يتيمة لا سند لها تلجأ إليه.
أي وجعٍ أشدّ من أن يتحول البيت، الذي تُلتمس فيه السكينة، إلى مصدر الجرح؟
وفي حكاية أخرى، كان أبٌ لا يرى في ابنه إلا فاشلًا وخائبًا، ويكرر على مسامعه: «أنت فاشل، آخرتك الشارع». كبر الابن، وبقيت الكلمات تكبر في داخله، حتى صار يشك في قدراته، ويتراجع عن كل تجربة قبل أن يخوضها.
وهناك فتاة سخرت منها زميلاتها بسبب الهالات السوداء تحت عينيها، فانطفأت ثقتها بجمالها.
وحين تقدم إليها أول خاطب، قبلته دون أن تتبين حقيقته، فقد كان يكفيها أنه يراها جميلة. لقد علّمتها سنوات السخرية أن تبحث عمن يقبلها، لا عمن يناسبها.
وروت لي أم سمراء جميلة الملامح كيف تنمّر عليها زوجها وأخواته بسبب لون بشرتها، لأنهم أفتح منها بدرجات، فقالت بحزن: «كرهت شكلي ولوني بسبب كلامهم». يا لها من خسارة أن يكره إنسانٌ اللون الذي خُلق به، لا لشيء إلا لأن أقرب الناس إليه أشعروه بأنه أقل جمالًا منهم!
فبأي حقٍّ يحاكم إنسانٌ ملامح إنسان آخر؟
كلنا خلق الله، وهو أحسن الخالقين. لم يجعلنا نسخًا متطابقة، فاختلافنا ليس عيبًا نعتذر عنه، ولا يملك أحد أن يضع للجمال مقياسًا يُقصي به الآخرين، أو أن ينتقص مما أبدعته يد الخالق.
لا تختبئوا خلف كلمة «مزاح» لتبرير قسوتكم، فالسخرية من لون البشرة أو هيئة الجسد أو ملامح الوجه ليست خفة ظل، بل إساءة تفضح خللًا في احترام الإنسان.
وإلى كل من اعتاد التنمّر: راجع نفسك قبل أن تحاكم خلق الله.
ليس من حقك أن تجعل إنسانًا يكره صورته، أو يخجل من لونه، أو يشك في قيمته لتُرضي غرورك. فأنت لا تصير أجمل بالسخرية من غيرك، ولا أرفع بالتقليل من شأنه.
واعلم أن احترام الناس ليس منّةً تتفضل بها عليهم، بل واجب يكشف أصلك وتربيتك.
فملامح البشر لم يختاروها، أما القسوة وسوء الخلق فاختيارك أنت، وعليهما تُحاسب.
فلا تجعل لسانك شاهدًا على سوء خُلقك، ولا تحسب أن صمت من تؤذيه انتصارٌ لك؛ فقد سكت لأنه أرقى من أن يردّ، لا لأنك أنقصت من قدره.
وتذكّر أن الكلمة، وإن خرجت في ثانية، قد تُقيم في قلب صاحبها عمرًا كاملًا.
فاختر كلماتك كما تختار ما تودّ أن يُقال عنك حين تغيب، فإن أجمل ما يتركه الإنسان خلفه قلبٌ ارتاح بسببه، لا قلبٌ انكسر على يديه.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

