Site icon مجلة شبابيك العالمية

النسخة التي أصبحناها

الكاتبة: دلال كمال راضي.

ليس أشد إيلامًا من أن نشتاق إلى أنفسنا ونحن لا نزال هنا؛ أن نمضي في الحياة بوجوهنا المألوفة وأدوارنا المعتادة، بينما نشعر في أعماقنا بأن شيئًا منا بقي في مكان لم نعد نعرف الطريق إليه.

نلتقي بالناس، ونتبادل الأحاديث والابتسامات، ونواصل أيامنا كما لو أن كل شيء في موضعه، لكن لحظة صمت واحدة قد تكشف المسافة التي اتسعت بين الحياة التي نعيشها والحياة التي نشعر بأنها تشبهنا.

لا نعرف متى بدأ هذا التحول، ولا في أي منعطف فقدنا شيئًا من ألفتنا بأنفسنا. ربما لم يحدث دفعة واحدة، بل تسلل إلينا عبر خيبات صغيرة لم نلتفت إلى أثرها، وفقدٍ غيّر نظرتنا إلى الأشياء، وتجارب أخذت من عفويتنا بقدر ما منحتنا من المعرفة. حتى استيقظنا ذات يوم لنكتشف أننا لم نعد نفرح بالطريقة نفسها، وأن أماكن كانت تحتضن تفاصيلنا أصبحت غريبة، وأن أحاديث اعتدنا أن نجد أنفسنا فيها صارت تمر بنا دون أن توقظ الشعور القديم.

وهنا تبدأ غربة لا تقاس بالمسافات، ولا يبددها القرب من الأهل والأصدقاء. قد نجلس بين أشخاص نحبهم، وفي مكان نحفظ أدق تفاصيله، ومع ذلك نشعر بأن جزءًا منا يقف خارج المشهد. نشارك الآخرين أحاديثهم، ونضحك حين يضحكون، لكن شيئًا في داخلنا يظل صامتًا، كأننا نراقب حياتنا من بعيد، ونتساءل متى أصبحت الأشياء التي كانت تشبهنا عاجزة عن الوصول إلينا.

وربما لا نشتاق إلى أنفسنا القديمة بقدر ما نشتاق إلى الطريقة التي كنا نشعر بها؛ إلى فرح لم يكن يحتاج إلى أسباب كثيرة، وثقة لم تكن تسبقها كل هذه الحسابات، وبساطة تسمح لنا بأن نعيش اللحظة دون أن نستبق نهايتها. لم نكن بالضرورة أكثر سعادة، لكننا كنا أقل انشغالًا بحماية أنفسنا من احتمالات الألم، وأكثر استعدادًا لأن نترك الحياة تفاجئنا.

أما الآن، فقد أصبحنا نفكر طويلًا قبل أن نثق، ونتردد قبل أن نقترب، ونبحث عن احتمالات الخيبة حتى في اللحظات التي تستحق الاطمئنان. وقد نسمي ذلك نضجًا، مع أن بعضه ربما ليس سوى تعب طال بقاؤه، أو خوف تعلّم أن يتخفى في هيئة الحكمة. فليس كل تغيّر يصيبنا ارتقاءً، ولا كل حذر دليلًا على حسن التقدير. أحيانًا نتعلم كيف نحمي أنفسنا، ثم نبالغ في إحكام الأبواب حتى نعجز عن استقبال ما كنا نخشى فقدانه.

والأصعب أننا قد نعتاد هذه النسخة منا إلى الحد الذي نتوقف فيه عن مساءلتها. نخلط بين السلام والعزلة، وبين الكرامة والخوف من الاقتراب، وبين قوة الاحتمال والقدرة على إخفاء ما يؤلمنا. ومع الوقت، تصبح بعض الجراح جزءًا من الطريقة التي نفهم بها العالم، فنظن أننا نرى الأشياء بوضوح، بينما ننظر إليها من خلال ما تركته فينا تجارب لم نتجاوزها بعد.

لهذا لا يكفي أن نتحسر على من كنا، ولا أن نقبل بكل ما أصبحنا عليه. نحن بحاجة إلى أن نفهم المسافة بين النسختين؛ ما الذي نضج فينا ويستحق أن يبقى؟ وما الذي انكمش تحت وطأة التجارب ويحتاج إلى أن يستعيد مساحته؟ هل أصبحنا أكثر وعيًا بالعلاقات، أم فقدنا شيئًا من قدرتنا على الاقتراب؟ وهل اخترنا العزلة لأنها تمنحنا السلام، أم لأننا لم نعد نحتمل احتمال خيبة جديدة؟

ليست الغاية من هذه الأسئلة أن نحاكم أنفسنا، بل أن نميز بين ما تعلمناه حقًا وما فرضه علينا الألم. فالتجارب لا تمنحنا الحكمة دائمًا؛ بعضها يترك فينا أحكامًا قاسية نتعامل معها كأنها حقائق نهائية. وقد نقضي سنوات ندافع عن حدود رسمناها في لحظة وجع، دون أن ننتبه إلى أن الظروف تغيرت، وأننا لم نعد بحاجة إلى كل تلك الأسوار.

وربما يكمن جانب من اغترابنا في أننا نواصل العيش وفق صور قديمة عن أنفسنا، أو وفق ما اعتاد الآخرون أن يجدوه فينا. نظل نؤدي أدوارنا بإتقان، ونستجيب لما ينتظره الناس منا، بينما تتغير رغباتنا وقناعاتنا في صمت. نتمسك بما اعتدناه لا لأنه ما زال يشبهنا، بل لأن التخلي عنه يضعنا أمام سؤال نخشى إجابته: من نكون إذا لم نعد الأشخاص الذين اعتدنا أن نكونهم؟

ومع ذلك، لا تستلزم المصالحة مع الذات أن نستعيد الماضي، ولا أن نتنكر لكل ما صنعته التجارب فينا. يمكننا أن نحتفظ بما منحنا الوعي، وأن نتخلى عما أورثنا الخوف، وأن نستعيد قدرتنا على الفرح دون سذاجة، وعلى الحب دون التفريط في كرامتنا، وعلى الثقة دون أن نتخلى عن بصيرتنا. فالنضج الحقيقي لا ينبغي أن يجعلنا أقل حياة، بل أكثر قدرة على اختيار ما يستحق أن نعيشه.

ولعل ما نحتاج إليه ليس نسخة قديمة نعود إليها، ولا نسخة مثالية نرهق أنفسنا بمحاولة بلوغها، وإنما قدر من الصدق يسمح لنا بأن نرى ما أصبحنا عليه دون قسوة أو تبرير. أن نعترف بما تغير، وأن نحزن على ما فقدناه إن احتجنا إلى ذلك، ثم نمنح أنفسنا حق النمو خارج حدود الخيبات التي صنعت بعض ملامحنا.

فليس كل ما تغيّر فينا قد ضاع، وليس كل ما بقي منا ما زال يشبهنا.

________________________________________

المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه

X : Tweets by shababeks_1

سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1

انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag

قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag

لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

Exit mobile version