الكاتب: شاكر هاشم محجوب.
في غمرة السعي المحموم وراء متطلبات العيش، ينسى الإنسان أحيانًا أنه يمر بالعمر مرور العابرين، فيتحول الطموح إلى قيد، وتصبح الحياة مجرد تذكرة انتظار لقطار لا يصل أبدًا. إنها المعادلة القاسية التي تفرض نفسها على واقعنا المعاصر: إذا كان المرء يعمل لمجرد البقاء، فإنه في واقع الأمر يستنزف سنوات عمره ببطء، ساكبًا قطرات روحه في قوالب جاهزة من المهام والواجبات اليومية. ومع ذلك، نمتلك جميعًا مسوغاتنا ودوافعنا التي تدفعنا إلى تلك الاستماتة في العطاء والركض المتواصل. فبعضنا يجد في العمل تحديًا شخصيًا يرغب في إثبات ذاته من خلاله، وآخرون يستمدون منه إلهامهم وحماسهم لمواجهة شمس النهار. منا من تغريه العوائد المادية الوفيرة التي تشتري له رفاهية منشودة، ومنا من تصبح المكاتب موطنه لأن زملاء المهنة صاروا أهله وجدرانه التي يستند إليها، بينما يرى فريق آخر في إنجاز المسؤوليات وتحقيق الذات ذروة الوجود الإنساني.
لكن المفارقة الموجعة تكمن في غايتنا الكبرى؛ فإذا كان كل شيء نفعله في هذه الحياة يهدف في أصله إلى قنص السعادة والاستقرار، فلماذا نستميت إذن في محراب أعمالنا على حساب سلامنا الداخلي؟ لماذا نستكين لبيئات نخالها ستسعدنا يومًا ما، بينما هي لا تزيدنا في واقع الأمر إلا إرهاقًا ينمو مع كل إشراقة شمس؟ هنا يتشكل مفهوم «الارتهان الوظيفي الجديد» في مرآة العصر الحديث. فالمرء يصبح أسيرًا لمهنته إذا كان ذلك الذي يطيل الجلوس في مكتبه بعد انقضاء الساعات الرسمية، متوهمًا أن التضحية بالوقت هي السبيل الوحيد للرفعة. وهو يقع في الأسر ذاته حين يضع رأسه المثقل على وسادته لينام، فلا يزوره طيف الراحة، بل تطارده تفاصيل مشكلات العمل والمسؤوليات التي لا تنتهي. وحتى تلك الصداقات التي يظنها ملاذًا، قد تتحول إلى امتداد للقيد حين ينحصر مجتمعه بالكامل داخل أروقة العمل، لتدور حياته بأكملها في فلك واحد لا فكاك منه.
إن الفارق الجوهري بين التبعية التقليدية في العصور الغابرة والتبعية الوظيفية المعاصرة هو الإرادة الزائفة. ففي الماضي، كان الناس يُساقون بسياط الإلزام المباشر دون امتلاك حق الاختيار. أما في زماننا هذا، فإن الكثيرين يسوقهم دافع داخلي واهم بأنهم ملزمون بتقديم تنازلات مستمرة وتلبية رغبات مؤسساتهم على حساب حياتهم الخاصة، متناسين أنهم أحرار في الأصل، لكنهم أصبحوا أسرى لفكرة الإخلاص المطلق للوظيفة. إنهم يقضون أعمارهم يركضون في طاحونة العطاء المستمر، يحدوهم أمل طفولي مبكٍ بأنهم في الغد سيكونون موظفين أكثر تميزًا وحظوة، متجاهلين أن المؤسسات تبحث دائمًا عن الإنتاجية لا عن التضحيات الشخصية.
أمام هذه المراجعة الصامتة، لا بد للمرء من وقفة صدق مع الذات قبل فوات الأوان. الحكمة تقتضي أن يصنع الإنسان لنفسه خط نهاية واضحًا، وهدفًا يتوقف عنده برغبته ليختار «التقاعد المبكر» وينقذ ما تبقى من روحه ووقت عائلته، بدلًا من أن توقفه ظروف العمل مجبرًا حين يستنزف كامل طاقته، أو تباغته عوارض الحياة بما هو أشد إيلامًا. وما أصعب تلك اللحظة التي يستيقظ فيها المرء على حقيقة كالتي صاغها أحد المتعبين حين قال: «سأجلس مع أبنائي وأتفرغ لهم أكثر عندما أحصل على ترقية»؛ فمضت السنين، ونال الترقيات تلو الترقيات، ولم يزده ذلك إلا بُعدًا وجفاءً عن عائلته التي كبرت بعيدًا عن ناظريه.
إنها دعوة راقية لإعادة ترتيب الأولويات واستعادة السيطرة على قطار العمر؛ أن تعود لنفسك، وتمنح عائلتك مكانتها المستحقة، وتعيش أيامك بسلام، وتتذوق سكون لياليك، قبل أن تلتهمك الآلة الوظيفية وتتركك مجرد رقم عابر في سجلات الغائبين.
نصيحتي لك: عِشْ أيامك، عِشْ لياليك.
________________________________________
المحتوى أعلاه يتم نشره عبر حسابات المجلة أدناه
سناب شات https://www.snapchat.com/add/shababeks_1
انستقرام: https://instagram.com/shababeks1?r=nametag
قناة شبابيك : https://www.youtube.com/channel/UCZbfRIHzi1WyP3_7lHfc0ag
لمزيد من الأخبار تفضلوا بزيارة موقعنا : http://www.shababeks.com

